فلم يكن مِن هؤلاء الأئمة مَن يخوض في صفات الله بشيء من التفسيرات الباطلة والتحريفات للنصوص، بل كانوا يمرُّونها كما جاءت بلا تحريف، فالمراد بقول محمد بن الحسن:"لم يُفسِّروا"وقول أبي عبيد"لا نفسِّرها، وما أدركنا أحدًا يفسِّرها"نفي تحريف الصفات وصرفها عن ظاهرها الذي دلّت عليه لغة العرب كما هو الحال عند الجهمية، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن أورد كلام أبي عبيد المتقدِّم"فقد أخبر أنَّه ما أدرك أحدًا من العلماء يفسِّرها تفسير الجهمية"1.
وتفسيرات الجهمية لهذه الصفة كثيرة جداًّ وهي تقارب العشرين، كما قال مرعي بن يوسف الكرمي:"وأما أهل التأويل من الخلَف فقد اختلفوا في الاستواء على نحو العشرين قولًا ..."2 وذكرها.
وهي تأويلات متكلّفة وتحريفات بغيضة تأباها النصوص ويردّها سياق الأدلّة المشتملة على ذكر استواء الربّ تبارك وتعالى على عرشه3، وكما يقول العلاّمة ابن القيِّم رحمه الله:"إنَّ استواء الرب المعدى بأداة على المعلق بعرشه المعرّف باللاّم المعطوف بـ"ثمّ"على خلق السموات والأرض المطَّرَد في موارده على"
1 الحموية (ص:30) .
2 أقاويل الثقات (ص:123) .
3 وقد تمادى هؤلاء في تحريف النصوص تبعًا لأهوائهم حتى إنَّهم لم يدَعوا في بعض النصوص حرفًا إلاَّ وطالته أيديهم بالتحريف لمعناه والتغيير لمراده وإخراجه عن حقيقته، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، فقالوا: {ثُمَّ} تحمل معنى الواو وتجرّد عن معنى الترتيب، والاستواء المراد به الاستيلاء، والعرش كناية عن الملك، والرحمن لا يدل على وصفه بالرحمة، فأخرجوا (ثم) عن حقيقتها، والاستواء عن حقيقته، والعرش عن حقيقته، ولفظ الرحمن عن حقيقته، فركبوا تحريفات بعضها فوق بعض. وانظر: مختصر الصواعق (ص:322) .