يقول: كذبت؛ لأنه ربما يكون صادقًا، فيكون قوله: «كذبت» كذبًا، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على ما قلت ورجعت عنه، ولا أعود إليه.
والسبب في أن الشافعي شرط في توبة القاذف التلفظ باللسان، مع أن التوبة من عمل القلب: أنه رتب عليها حكمًا شرعيًا: وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب، فلا بد من أن يعلم الحاكم بتوبته حتى يقبل شهادته.
ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: خلافهم في رجوع الاستثناء الوارد في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا} [النور:4/ 24 - 5] هل يرجع إلى جميع الجُمَل التي سبقت، فيرتفع رد الشهادة، كما ارتفع الفسق، أو يرجع إلى الجملة الأخيرة وهي الفسق. والخلاف راجع إلى مسألة أصولية مشهورة وهي: هل الاستثناء عقب الجمل المتعاطفة يعود للجميع أو يعود للجملة الأخيرة؟
قال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في القذف أبدًا، لاختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة؛ لأنها جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها جيء بها لدفع ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سببًا لهذه العقوبة.
ونوقش قولهم بأن العلة في هذه العقوبة هو فسقهم، والفسق علة في رد الشهادة، فإذا ارتفع الفسق بالتوبة، فيلزم منه ارتفاع رد الشهادة الذي هو معلوله؛ لأن الحكم يزول بزوال علته.
وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل شهادة المحدود في القذف بالتوبة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجمل الثلاث المتعاطفة بالواو، فيرتفع رد