الحالة الثانية: أن يثبت الدين بقبض مضمون بعد وجود عقد الصرف: كأن يستقرض بائع الدينار عشرة دراهم من المشتري ويتسلمها بالفعل، أو يغصب منه عشرة دراهم، ففي هذه الحالة تقع المقاصة بثمن الصرف جبرًا على المتصارفين، وإن لم يتقاصا، أي لا يحتاجان إلى التراضي؛ لأنه وجد القبض من المتصارف فعلًا.
الحالة الثالثة: أن يثبت الدين بعقد متأخر عن عقد الصرف: كأن يشتري مشتري الدينار من بائع الدينار ثوبًا بعشرة دراهم مثلًا، ففي هذه الحالة إن لم يتقاصا لا تقع المقاصة باتفاق الروايات. وإن اتفقا على مقاصة العشرة بالعشرة في مجلس العقد فهناك روايتان: في رواية اختارها السرخسي: لا يجوز لأن النبي صلّى الله عليه وسلم جوز المقاصة في حديث ابن عمر [1] في دين سابق لا لاحق.
وفي رواية أخرى وهي الصحيحة [2] : تقع المقاصة لما ذكر في وجه الاستحسان: وهو أن العاقدين لما قصدا إيقاع المقاصة، تضمن ذلك انفساخ العقد الأول، أي إقالته، وإنشاء عقد جديد مضاف إلى دين قائم وقت تحويل العقد، فلما أبطلا عقد الصرف، صار كأنهما عقدا عقدًا جديدًا، فتصح المقاصة به؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود والفسوخ دينًا كانت أو عينًا.
والخلاصة: إن الحالتين الأولى والثالثة تقع المقاصة فيهما اختيارية، وأما الحالة الثانية فتقع المقاصة فيها جبرية.
(1) نص الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لابأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» وفي لفظ «أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق، وأبيع الورق وآخذ مكانها الدنانير» (نيل الأوطار: 156/ 5) .
(2) انظر الهداية والعناية بهامش فتح القدير: 381/ 5.