عِوَضًا عَنْ كَتْبُغَا، وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْكَرْمَانِيُّ الْحَنَفِيُّ، فَنَزَلَ بِالْقَصَّاعِينَ وَتَرَدَّدَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ وَدَخَلَ إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ وَاجْتَمَعَ به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعين وَقَدِ اجْتَمَعْتُ بِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الفروع والأصول ودعوا أَوْسَعُ مِنْ مَحْصُولِهِ، وَكَانَتْ لِأَبِيهِ وَجَدِّهِ مُصَنَّفَاتٌ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ مُدَّةٍ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ بها كما سيأتي.
وفي ربيع الأول تَكَامَلَ فَتْحُ آيَاسَ (1) وَمُعَامَلَتِهَا وَانْتِزَاعُهَا مِنْ أَيْدِي الأرمن، وأخذ البرج الاطلس (2) بينه وَبَيْنَهَا فِي الْبَحْرِ رَمْيَةٌ وَنِصْفٌ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بإذن الله وخربوه، وكانت أبوابه مَطْلِيَّةٌ بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَعَرْضُ سُورِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ذراعا بالنجار، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً جِدًّا، وَحَاصَرُوا كُوَارَةَ فَقَوِيَ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ وَالذُّبَابُ، فَرَسَمَ السُّلْطَانُ بِعُودِهِمْ، فَحَرَّقُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَأَخَذُوا حَدِيدَهَا وَأَقْبَلُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَكَانَ مَعَهُمْ خَلْقٌ كثير مِنَ الْمُتَطَوِّعِينَ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى كَمَلَ بَسْطُ دَاخِلِ الْجَامِعِ فَاتَّسَعَ عَلَى النَّاسِ، وَلَكِنْ حَصَلَ حَرَجٌ بِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يمرون وسط الرواق وَيَخْرُجُونَ مِنْ بَابِ الْبَرَّادَةِ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَمَرَّ يَمْشِي إِلَى الْبَابِ الْآخَرِ بِنَعْلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ ممنوعًا سوى
المقصورة لا يمكن أحد الدُّخُولُ إِلَيْهَا بِالْمَدَاسَاتِ، بِخِلَافِ بَاقِي الرُّوَاقَاتِ، فَأَمَرَ نائب السلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره إلى مراحل.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ رَجَعَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ بِلَادِ سِيسَ وَمُقَدَّمُهُمْ آقُوشُ نَائِبُ الْكَرَكِ.
وَفِي آخِرِ رجب باشر القاضي محيي الدين بن إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَهْبَلٍ نِيَابَةَ الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ صَصْرَى عِوَضًا عَنِ الدَّارَانِيِّ الْجَعْفَرِيِّ، وَاسْتَغْنَى الدَّارَانِيُّ بخطبة جامع العقبية عنها.
وفي ثالث رَجَبٍ رَكِبَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ فَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَعَادَ فِي أَوَّلِ شَعْبَانَ فَفَرِحَ بِهِ النَّاسُ.
وَفِي رَجَبٍ كَمَلَتْ عِمَارَةُ الْحَمَّامِ الَّذِي بَنَاهُ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ صبيح جِوَارَ دَارِهِ شَمَالِيَّ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ.
وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ تَاسِعِ شَعْبَانَ عَقَدَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَرْغُوَنَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ عَقْدَهُ على ابنة النَّاصِرِ، وَخُتِنَ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَمَاعَةٌ مِنْ أولاد الأمراء بين يديه، وماد سماطًا عظيمًا، ونثرت الفضة على رؤوس الْمُطَهَّرِينَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَرَسَمَ السُّلْطَانُ فِي هذا اليوم وضع الْمَكْسِ عَنِ الْمَأْكُولَاتِ (3) بِمَكَّةَ، وَعَوَّضَ صَاحِبَهَا عَنْ ذلك بإقطاع في بلد الصعيد (4) .
(1) أياس: من بلاد الارمن على ساحل البحر (تقويم البلدان لابي الفداء ص 248) .
(2) وهو أحد ثلاثة أبرجة وهي: الاطلس والشمعة والاياس (تذكرة النبيه 2 / 124) .
(3) يعني بذلك مكس الغلال، انظر السلوك 2 / 236 والمواعظ والاعتبار 1 / 88.
(4) عوضه بثلثي بلد دماميل، أو دمامين وهي من البلاد القديمة بمركز قوص، وتعرف حاليا باسم المفرجية نسبة إلى الشيخ مفرج بن موفق بن عبد الله الدماميني المتوفى سنة 648 (انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزي ج 4 / 2 / 185) .