فهرس الكتاب

الصفحة 4193 من 5637

ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة فيها عاث أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ القرمطي فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، حَاصَرَ الرَّحْبَةَ فَدَخَلَهَا قَهْرًا وقتل من أهلها خلقًا، وَطَلَبَ مِنْهُ أَهْلُ قِرْقِيسِيَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَبَعَثَ سراياه إِلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خلقًا، حَتَّى صَارَ النَّاسُ إِذَا سَمِعُوا بِذِكْرِهِ يَهْرُبُونَ من سماع اسمه، وقدر على الأعراب إمارة يَحْمِلُونَهَا إِلَى هَجَرَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، عَنْ كُلِّ رَأْسٍ دِينَارَانِ (1) .

وَعَاثَ فِي نُوَاحِي الْمَوْصِلِ فسادًا، وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الدِّيَارِ وَقَتَلَ وَسَلَبَ وَنَهَبَ.

فَقَصَدَهُ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ فلم يتواجها بل رجع إلى بلده هجر فَابْتَنَى بِهَا دَارًا سَمَّاهَا دَارَ الْهِجْرَةِ (2) ، وَدَعَا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب بمدينة المهدية.

وتفاقم أمره وكثرت أتباعه فصاروا يَكْبِسُونَ الْقَرْيَةَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ فَيَقْتُلُونَ أَهْلَهَا وَيَنْهَبُونَ أَمْوَالَهَا، وَرَامَ فِي نَفْسِهِ دُخُولَ الْكُوفَةِ وأخذها فلم يطق ذلك.

وَلَمَّا رَأَى الْوَزِيرُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مَا يفعله هذا القرمطي في بلاد الإسلام، وليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة وجيشه عنه، وعزل نفسه منها، فسعى فيها عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، فَوَلِيَهَا بِسِفَارَةِ نصر الحاجب والي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - مِنَ الْبَرِيدِ، وَيُقَالُ الْيَزِيدِيُّ لِخِدْمَةِ جَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الجهيري.

ثُمَّ جَهَّزَ الْخَلِيفَةُ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ (3) فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْقَرَامِطَةِ فَقَتَلُوا مِنَ الْقَرَامِطَةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْ أشرافهم، ودخل بهم مؤنس الخادم بغداد ومعه أعلام من أعلامهم مُنَكَّسَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) الآية [القصص: 5] .

ففرح الناس بذلك فرحًا شديدًا، وطابت أنفس البغاددة، وانكسر القرامطة الذين كانوا قد نشأوا وفشوا بأرض العراق، وفوّض القرامطة أَمْرَهُمْ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ حُرَيْثُ بْنُ مسعود، وَدَعَوْا إِلَى الْمَهْدِيِّ الَّذِي ظَهَرَ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ جد الفاطميين، وهم أدعياء كذبة، كما قد ذكر ذلك غير واحد من الْعُلَمَاءِ.

كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

وَفِيهَا وَقَعَتْ وَحْشَةٌ بَيْنَ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ وَالْمُقْتَدِرِ، وسبب ذلك أن نازوكًا أَمِيرَ الشُّرْطَةِ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ - وَهُوَ ابْنُ خَالِ الْمُقْتَدِرِ - فَانْتَصَرَ هَارُونُ عَلَى نَازُوكَ وَشَاعَ بَيْنَ الْعَامَّةِ أَنَّ هَارُونَ سيصير أمير الأمراء.

فبلغ ذلك مؤنس الْخَادِمَ وَهُوَ بِالرَّقَّةِ فَأَسْرَعَ الْأَوْبَةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَاجْتَمَعَ بِالْخَلِيفَةِ فَتَصَالَحَا.

ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ نَقَلَ هَارُونَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فَقَوِيَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُمَا، وَانْضَمَّ إِلَى مُؤْنِسٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ.

وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ضَعْفِ الْأُمُورِ وَاضْطِرَابِهَا وَكَثْرَةِ الفتن وانتشارها.

وفيها كان مقتل الحسين (4) بْنِ الْقَاسِمِ الدَّاعِي الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ الرَّيِّ عَلَى يد

(1) في الكامل 8 / 181: دينار.

(2) بناها حريث بن مسعود (قاله ابن الأثير 8 / 187) .

(3) في الكامل 8 / 187: فسير المقتدر هارون بن غريب إلى حريث، وصافيا البصري إلى عيسى بن موسى.

فهزمهم هارون وصافي.. (انظر تاريخ أخبار القرامطة لابن العديم ص 53) .

(4) في الكامل: 8 / 189: الحسن.

(انظر مروج الذهب 4 / 347) (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت