ثانيًا: اشتهر عن المعتزلة أنهم أنكروا الميزان الحقيقي، وادّعوا أن الميزان هو العدل في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء:47) ، أي: العدل وقالوا: لا يحتاج إلى الوزن إلا البقالون ونحوهم، فأما الرب تعالى فليس بحاجة إلى أن ينصب ميزانًا؛ لأنه يعدل بين عباده، قال تعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف:49) ، فأبطلوا دلالة هذه النصوص الصريحة التي فيها ذكر الميزان، كقوله صلى الله عليه وسلم: «والحمد لله تملأ الميزان» [1] ونحو ذلك من الأحاديث.
وأهل السنة أقروا بأنه ميزان حقيقي، وأن الله تعالى ينصبه لكل أحد، وأن كل إنسان له ميزان توزن فيه أعماله، سواءً كان ميزانًا واحدًا توزن فيه أعمال العباد، أو موازين متعددة؛ ليكون ذلك أدل على العدل، وعلى عدم الظلم، وأنه لا يعذب إلا من استحق العذاب.
قال الطبري: قال جل ثناؤه: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} (الأعراف:8) ، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعَْلُونَ} (الجاثية: 28) موازين عمله الصالح {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح وأدركوا الفوز بالطلبات والخلود والبقاء في الجنات لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما وضع في الميزان شيء أثقل من حسن الخلق» [2] ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزان يوزن به الأعمال على
(1) صحيح مسلم الطهارة (223) ، سنن الترمذي الدعوات (3517) ، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (280) ، مسند أحمد بن حنبل (5/ 342) ، سنن الدارمي كتاب الطهارة (653) .
(2) سنن الترمذي كتاب البر والصلة (2002) ، سنن أبو داود الأدب (4799) ، مسند أحمد بن حنبل (6/ 451) .