فهرس الكتاب

الصفحة 2732 من 14211

سَعْدٍ بَعَثَهُ عُمَرُ عَلَى حِمْصَ، فَمَكَثَ حَوْلًا لاَ يَأْتِيْهِ خَبَرُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَقْبِلْ بِمَا جَبَيْتَ مِنَ الفَيْءِ.

فَأَخَذَ جِرَابَهُ وَقَصْعَتُهُ، وَعَلَّقَ إِدَوَاتَهُ، وَأَخَذَ عَنْزَتَهُ (1) ، وَأَقْبَلَ رَاجِلًا، فَدَخَلَ المَدِيْنَةَ، وَقَدْ شَحَبَ وَاغْبَرَّ، وَطَالَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ!

فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟

قَالَ: أَلَسْتُ صَحِيْحَ البَدَنِ، مَعِيَ الدُّنْيَا.

فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ جَاءَ بِمَالٍ، فَقَالَ: جِئْتَ تَمْشِي؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: أَمَا كَانَ أَحَدٌ يَتَبَرَّعُ لَكَ بِدَّابَةٍ؟

قَالَ: مَا فَعَلُوا، وَلاَ سَأَلْتُهُمْ.

قَالَ: بِئْسَ المُسْلِمُوْنَ.

قَالَ: يَا عُمَرَ! إِنَّ اللهَ قَدْ نَهَاكَ عَنِ الغِيْبَةِ.

فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟

قَالَ: الَّذِي جَبَيْتُهُ وَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَوْ نَالَكَ مِنْهُ شَيْءٌ، لأَتَيْتُكَ بِهِ.

قَالَ: جَدِّدُوا لِعُمَيْرٍ عَهْدًا.

قَالَ: لاَ عَمِلْتُ لَكَ وَلاَ لأَحَدٍ، قُلْتُ لِنَصْرَانِيٍّ: أَخْزَاكَ اللهُ.

وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ المَدِيْنَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: أُرَاهُ خَائِنًا.

فَبَعَثَ رَجُلًا بِمائَةِ دِيْنَارٍ، وَقَالَ: انْزِلْ بِعُمَيْرٍ كَأَنَّكَ ضَيْفٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَثَرَ شَيْءٍ، فَأَقْبِلْ، وَإِنْ رَأَيْتَ حَالًا شَدِيدَةً، فَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذِهِ المائَةَ.

فَانْطَلَقَ، فَرَآهُ يَفْلِي قَمِيْصَهُ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: انْزِلْ.

فَنَزَلَ، فَسَاءلَهُ، وَقَالَ: كَيْفَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟

قَالَ: ضَرَبَ ابْنًا لَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، فَمَاتَ.

فَنَزَلَ بِهِ ثَلاَثًا، لَيْسَ إِلاَّ قُرْصَ شَعِيْرٍ يَخْصُّوْنَهُ بِهِ، وَيطْوُوْنَ.

ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ قَدْ أَجَعْتَنَا، فَأَخْرَجَ الدَّنَانِيْرَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَصَاحَ، وَقَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي

هل الحدث الحمراء تعرف لونها * وتعلم أي الساقيين الغمائم

سقتها الغمام الغر قبل نزوله * فلما دنا منها سقتها الجماجم

ويقول: نثرتهم فوق الاحيدب كله * كما نثرت فوق العروس الدراهم

(1) العنزة: عصا في قدر نصف الرمح أو أكبر يتوكأ عليها.

سير 2 / 36

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت