*وسَيْفِي كَانَ فِي الْهَيْجَا طَبِيبًا * يُدَاوِي رَأْسَ مَنْ يَشْكُو الصُّدَاعا*
الهيجاء: الحرب.
استعار فعل"يُداوِي"لَيَدُلَّ به على قَطْعِ رأس المقاتل الذي يشكو الصُّدَاع، ومعلوم أنَّ المداواة بالدُّواء تنافي قَطْعَ الرأس، فهما أمران متعاندان لا يجتمعان.
أقول:
إنَّ هذا التقسيم وأمثاله ينبغي أن تكون مفاتيح للدراسات الأدبيَّة، لا قوالب جاهزة حتى يقاس عليها، فمن شأن القوالب أن تُمِيتَ قدرات الإِبداع والابتكار.
(ب)
قيمة الاستعارة في البيان ومراقيها
(1) تحتلُّ الاستعارة في البيان مرتبةً أعلى من مرتبة التشبيه بحسب الأصل، لعدة أسباب:
السبب الأول: أنّها أكثر من التشبيه توغُّلًا في أساليب البيان غير المباشر.
السبب الثاني: ما فيها من تجاهل التشبيه الذي هو أصلها، إذ الاستعارة تُشْعِرُ بادِّعَاء اتِّحاد المشبّه بالمشبَّه به.
السبب الثالث: ما فيها من استثارةٍ لإِعجاب أذكياء ذَوَّاقي الأدب، وَتَملُّكٍ لانتبهاههم وتأثيرٍ فيهم، ولا سيما حينما تكون استعارةً غريبة غير متداولة، ولا يتنبَّهُ لاصطيادها إلاَّ فُطنَاء البلغاء.
لكن لا يُشْتَرطُ أن تكون كُلُّ اسْتِعَارة أبلغ من التشبيه، إذْ قد تقتضي حال المتلقّي، أو يَقْتَضِي الموضوع المطروحُ للبيان، أنْ يُسْتَخْدَم التشبيه، فيكونُ التشبيه عندئذٍ هو الأبلغ.
(2) وتكون الاستعارة حَسَنَةً جميلة إذا كان التشبيه الذي هو أسَاسُها حَسَنًا جميلًا، مستوفيًا الشُّروط التي سبق بيانها في فصل"التشبيه والتمثيل"تحت عنوان"صفات وخصائص التشبيهات المثلى".
وكلَّما قوي الشَّبه بين المشبَّه والمشبَّه به كان اللّجوء إلى الاستعارة أكثر فنيّة، وأرقى بيانًا، وأبْعَد عن الإِطناب، وأرضى للأذواق الأدبيّة.
أمَّا إذا كان الشَّبَه ضعيفًا فإنّ التشبيه الذي يُذْكَرُ فيه وجه الشبه يكون هو الأولى.