لمَّا تَولّيتَ ولّى العِلمُ مُكتئِبا ... وضَرَّ موتُكَ أهلَ البَدْوِ [1] والحَضَرِ
ورأى الربيع قبل موته بأيام أنّ آدم مات، والناس في جمعية، فقال أهل العلم: يموت أعلم أهل الأرض، لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [2] ، فيما نراه.
وُلِد له من زوجته العثمانية العفانية: أبو عثمان، ومحمد، وفاطمة، وزينب، وكلهم علماء ثقات، وأمَّأ ولده أبو الحسن فمن جاريته السريّة، وتوفي في مصر، سنة إحدى وثلاثين، جعل الله الجنة مثواه.
وولده أبو عثمان تولّى القضاء في حلب، والشام، والديار الجزائرية، وقيل: في أرض الجزائر توفاه الله ووفاه.
ويوم موت الإمام الشافعي ناحت الجن؛ لعظم مصابه والرزيّة، وأظلم الأُفق، وأعتم دُجاه، ورُؤي بعد موته رحمه الله رحمة سرمدية، فقال: أجلسني الله على كرسي من ذهب، ونثرَ عليّ اللؤلؤ الرطب في سماه، وصرّفني في الأرض، وأقطارها المصرية، إلى أنْ يرث الله الأرض ومن عليها بإذنه وقضاه.
ورآه الربيع في المنام، فقال له: ما فعل الله بك بعد حلول المنيّة؟ فقال: نصب لي منبرا تحت ساق العرش، وقال: تكلّم في ملائكتي، فانتشر علمه في أرضه وسماه.
وأراد نظام الملك [3] بعد موته بمدة نقله إلى مدرسة النظامية، التي أنشأها ببغداد، وأظهر الله العلم بها وأبداه، ولمَّأ وصلوا إلى اللَّحد، خرجت منه روائح عِطرية، أَسْكَرت الحاضرين؛ حتى وقعوا صَرعى، فأعادوا للقبر بِناه، فتابوا إلى الله، وتركوه في روضة الجنات.
(1) كتب: أهل العلم والحضر، وما أثبتناه من الحاشية، حيث كُتب: لعله البدو، وهو أنسب للمعنى.
(2) البقرة 31
(3) نظام الملك (408 - 485 هـ) :الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، أبو علي، الملقب بقوام الدين، نظام الملك: وزير حازم عالي الهمة. أصله من نواحي طوس. تأدب بآداب العرب، وسمع الحديث الكثير، واشتغل بالاعمال السلطانية، فاتصل بالسلطان إلب أرسلان، فاستوزره، فأحسن التدبير وبقي في خدمته عشر سنين. ومات إلب أرسلان فخلفه ولده ملك شاه، فصار الامر كله لنظام الملك، وليس للسلطان إلا التخت والصيد. وأقام على هذا عشرين سنة، وكان من حسنات الدهر. كانت أيامه دولة أهل العلم. اغتاله ديلمي على مقربة من نهاوند، ودفن في أصبهان، له (أمالي نظام الملك في الحديث) . وفيات الأعيان 1: 143، والروضتين 1 في أخبار الدولتين 1/ 25.