الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة، سنة ستٍّ من الهجرة، ولا يخفى عليك أن لا منافاة بين هذه النقول الثلاثة.
ذكر ما يدل على علوِّ شأنه في نفسه:
كان رضي الله عنه من المشهورين بالشجاعة، والشرف، والرئاسة، وكان يقول: لقد اندقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما ثبتت في يدي إلاّ صفيحة يمانية، وكان هو المقدَّم على خيول قريش في الجاهلية، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعنّة الخيل، فيكون في مقدمتها.
وكان في قلنسوته شيء من شَعْر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستنصر به وببركته، فلا يزال منصورا، وكان من جُملة كُتَّابه صلى الله عليه وسلم، وممن عظم قدره بنزول بعض الآيات القرآنية فيه، على ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد في سَريَّة إلى حيٍّ من أحياء العرب، وكان معه عمار بن ياسر، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرّس كي يصبِّحهم، فأتاهم النذير، فهربوا غير رجل منهم، كان قد أسلم، فأمر أهله أنْ يتهيؤا للمسير، ثم / انطلق حتى أتى عسكر خالد، فدخل على عمار، فقال: يا أبا اليقظان! إني مُسلم، وإنّ قومي لمَّا سمِعوا بكم هربوا، وأقمت أنا لإسلامي، أفنافعي ذلك أم أهرب كما هرب قومي؟ فقال: أقم، إنّ ذلك نافعك، وانصرف إلى أهله، وأمرهم بالمقام، وأصبح خالد، وأغار على القوم، ولم يجد غير ذلك الرجل، فأخذه، وأخذ ماله، فأتاه عمَّار، فقال: خلِّ سبيل الرجل، فإنه مسلم، وقد كنت آمنته، وأمرته بالمقام، فقال خالد: أنت تُجير عليَّ، وأنا الأمير! فقال: نعم، أنا أُجير عليك، وأنت الأمير، وكان في ذلك بينهما كلام، فانصرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبر الرجل، فآمنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أنْ يُجير بعد ذلك على أمير بغير إذنه، فأنزل الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [1] ويروى عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في عبد الله بن حُذافة.
وفي مختصر الحصن الحصين في كلام سيد المرسلين أنّ خالدا رضي الله عنه لمَّا شكا إليه الفزع علّمه ما علَّمه جبريل: أعوذ بكلمات الله التامَّات التي لا يجاوزهن بَرُّ ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شرِّ ما ذرأ في الأرض، وما يخرج منها، ومن شرِّ فتن الليل، وفِتن النهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن.
(1) النساء 59