فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 298

(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ) [الروم 30/ 22] .

وفتح بينهم مجال السعي والتنافس، فمن الأمم من أفلحت وفازت بنعيمي الدنيا والآخرة، وصنعت الحضارة، وسبقت إليه، وتمتعت بها، وحمت مكتسباتها في الحياة بكل ما تملكه من قوة وعلم، فتفتح البلاد، وتحكم بما أنزل الله، فتنشر العدل والسلام، وتصون الأرض والإنسان.

ومنها من فازت بنعيم الدنيا فحسب فأسهمت في بناء أمجادها فيها، وتدمير غيرها بما تملك من أسباب العلم والقوة، ووسائل الإرهاب والإيذاء، أو انغمست بعد ذلك في ملذاتها وملاهيها وشهواتها، فنسيت ربّها وأنفسها وما خلقت له، فسلّط الله عليها من هو أقوى منها وأعتى، لا يرحمها، يستبد بها، فيستعبد إنسانها ويستغل أراضيها مدّعيا تحضيرها تحت شعارات وأسماء شتى، يخدع بها الناس كالوصاية والانتداب والحماية والدفاع المشترك والاستعمار، فتخسر بذلك الدنيا والآخرة معا، بدليل قوله تعالى:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) [الحشر 59/ 19] .

ومنها من تخلفت عن أسباب الدنيا أو نامت، وادعت العمل للآخرة وحدها ونسيان الدنيا، فلم تظفر منهما بشيء، واستغل أعداؤها نومها، فاعتدوا عليها وانتهكوا حرماتها بانحرافها عن سنن الحياة التي أوصانا بها الله تعالى إذ يقول:

(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص 28/ 77] .

والحياة لا تستقر على حال، فقد ينام الصاحي، ويصحو النائم، ويضعف القوي، ويقوى الضعيف أو يموت.

ويلجأ مفكرو الأمم في حال ضعفها خاصة إلى بعثها من جديد، وتقويتها بتوحيدها، وبثّ روح النهضة بين أبناء أمتهم، مذكرين بخصائصها التي منحها الله تعالى إياها، مفتخرين بماضيها، إن كان لها ماض مجيد، أو يدّعونه، ليربطوا الحاضر بالماضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت