الصفحة 16 من 733

• والداعية نسّاء للهفوات من إخوانه، ينسى الإساءة ، ويستغفر لإخوانه فإن بقي في صدره شيء صارح بها إخوانه ، والعجيب من بعض دعاة الإسلام حين ينقب عن زلات إخوانه ويحفظ هناتهم ، ويخزنها في صدره ، فما أن تأتي مناسبة حتى يخرج كشف الحساب بالتواريخ والأرقام ، يتذكر التفاصيل التي يترفع عن ذكرها كل ذي مروءة ، مما يشف عن نفس غير صافية.وفيه يصدق قول القائل:

احذر مودة ماذق

شاب المرارة بالحلاوة

يحصي العيوب عليك

أيام الصداقة للعداوة

أما نفس الداعية صاحب ذي النفس السوية والذوق الرفيع فهي مرّفعة عن السفاسف

• والبعض يدير مجالسه كإدارة المؤسسات التجارية الربحية ، فيحاسب على القنطار والقطمير ، ولايقبل عذرًا ولايتغاضى عن هفوة ، بل ربما تعمد إحراج بعض إخوانه ، وألجأه إلى الكذب حتى يخرج من بعض المواقف ، والكريم يتحاشى إحراج الأبعدين ، بله الأقربين:

تسامح ولاتستوف حقك كله

وأبق فلم يستوف قط كريم

ولاتعدفي شيء من الأمر واقتصد

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

قال ابن الأثير عن صلاح الدين"بلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة ، فرمى بعض المماليك بعضهم بسرموز (قشر موز) فأخطأته ، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته ، ووقعت بالقرب منه ، فالتفت إلى الجهة الأخرى ، يكلم جليسه ، ليتغافل عنها"

وقد تفحم غيرك وتعلوه بالحجة لكنك لاتقنعه ، ومع ذلك فقد تملأ قلبه غيظا وحَنَقًا ، ويزداد الأمر شدة ، والجرح نكآءة ، حين يكون ذلك بمحضر من الآخرين ، ويظل الأمر يكبر في نفسه ، والشيطان يؤزه حتى يظهر هذا المخزون في أقرب فرصة على شكل نافورة تمج غلًا وكراهة وصاحبنا القاسي ، يفتح فمه ، دهشة وأسفًا.

• وكثرة الحديث عن النساء من الذوق النابي ، والمقصود كثرة مايدور في مجلس بعض النبلاء من ذكر التعدد ، والتفاخر به ، والتحدي لمن لم يعدد .قال الأحنف"جنبوا مجالسنا ذكر النساء و الطعام ، فإني أبغض أن يكون الرجل وصافا لبطنه وفرجه"

• والسخرية من أعمال الآخرين _خاصة _ الدعوية ، واستعمال كلمات مثل هذا العمل ،لعب ، وعبث ، ومضيعة للوقت ، سقطة لا تليق بالداعية. ولعل الله عز وجل قد اطلع إلى نية هذا المستهزأ به فقبل عمله القليل ، ويخشى على الآخر أن يكون ممن يدل بعمله ، فإن الشيطان يأتي للإنسان من طريق العجب أحيانًا ، ثم إن المحافظة على مشاعر الآخرين واجب شرعًا ليس لأحد أن يتخفف من ذلك ، والتوجيه يكون برفق ومحبة ، يشعر بها الآخر ، وليس لأحد أن يقول: هذا أنا وهذه طباعي ، فلا تؤآخذوني ، أو يكون كما قال الشيخ الطنطاوي- على لسان (صلبي) - عن أهل الحضر:أنهم يسيئون إساءة العدو ، ويعتذرون اعتذار الصديق (1) .

5-الورع واتقاء الشبهات

لا بد للداعية والخطيب الورع واتقاء الشبهات والبعد عن مواضع الريبة ومسالك التهمة فذلك أبرأ لذمة الداعية والخطيب وأسلم لعرضه وأهون على الإقبال عليه، وأدعى إلى الانقياد له؛ لأن حال الداعي يؤثر في القلوب أكثر من مقاله، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم وصحابته وأئمة الهدى.

وقد حكت لنا كتب التراجم والسير نماذج رائعة لورع السلف وصورًا أقرب ما تكون للخيال لولا صدق الرواية وتواترها.

وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة، وقال: هل ينتفع منه إلا بريحه؟!

قال ذلك لما استبعد ذلك منه، وهذا من ورعه رحمه الله.

وهذا الفضيل بن عياض رحمه الله كانت له شاة فأكلت شيئًا يسيرًا من علف بعض الأمراء فلم يشرب من لبنها بعد ذلك.

وقال ابن المبارك رحمه الله: لأن أرد درهمًا من شبهة خير من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف ومائة ألف.

وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم سيد المتقين وإمام الورعين مر بتمرة فقال: (( لولا أن تكون صدقة لأكلتها ) )وخبر أبي بكر واستقائه معلوم مشهور.

وأما البعد عن مواضع الريبة ومسالك التهم، فذلك أن من فعل ذلك لا يأمن من إساءة الظن به وسقوطه في عين الناس فلا ينفع نصحه ووعظه، وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم المعصوم الذي لا يظن به مسلم أبدًا سوءًا يقول وقد رآه رجلان من أصحابه مع زوجه:

(( إنها صفية ) )فيكبر على الصحابيين ذلك فيجيبهما:

(( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في الجسد، وإني خشيت أن يُدخل عليكما ) ).

فينبغي للداعية والخطيب أن يتحرز عن كل ما يوهم نسبته إلى ما لا يليق لئلا يوجب سوء الظن به، وإن كان له مخلص، فذلك سبب لعدم الانتفاع به وبإرشاده.

وعن علي رضي الله عنه قال: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره؛ فرب سامع نكرًا لا تستطيع أن تبلغه عذرًا.

6-اللين والرفق

إن على الخطيب الناجح الاتصاف باللين والرفق والتلطف مع الناس لأن ذلك أدعى إلى استمالتهم وإقناعهم، أما أسلوب العنف والغلظة والشدة فقد أثبت الواقع فشله وعدم جدواه، لقد خاطب الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله:

(1) - صور وخواطر ، مقالة:أعرابي في سينما)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت