قيل (حضر أعرابي مأدبة أحد خلفاء بني أمية ، فأنشأ يأكل ، والخليفة ينظر إليه ، فرأى الخليفة في لقمة الأعرابي شعرة ، فنبهه إلى ذلك . فقال الأعرابي: أتنظر إلى نظر من يرى الشعرة في اللقمة ، والله لا أصبت من طعامك بعد هذا . فقال الخليفة: أسترها علي يا أعرابي ، ولك ألف دينار) .
وكذلك استعمال الخلال يحتاج إلى ذوق لايخفى عليك.
الذوق في استعمال السيارة:
البعض لايهتم بموقف سيارته فتجده حينا يقف خلف سيارة ، ويسد عليها الطريق ، وربما كان صاحبها في عجلة من أمره . وصاحبنا شغله شاغل ، فتأخر ، فأحنق صاحب السيارة ، فنال من السباب أو العتاب ماكان سببًا فيه ، وربما أوقف سيارته أمام بيت أوباب فضيق على الناس وهو لايشعر والسفهاء في الطريق كثر وربما نالك منهم شيئا ، فلا تجاريهم ،فمن الخطأ مجاراة السفيه ، فقد يتطور الأمر ، وربما أفضى إلى ما لا تحمد عقباه
قال أبو تمام:
إذا جاريت في خلق دنيئا
فأنت ومن تجاريه سواء
فليتحمل الإنسان وليصبر . واسمع لقول القائل:
لاترجعن إلى السفيه خطابه
إلا جواب تحية حياكها
فمتى تحركه تحرك جيفة
تزداد نتنًا إن أردت حراكها
• والتفرج على الزملاء وهم يعملون ، والاشتغال عنهم بعمل شخصي آخر، من قلة الذوق ، وقد يتحملون ، ولايمتعظون ، ولكن يجب عليه أن يقدر مشاعرهم ، وبأي حق ينقسم الزملاء إلى فريقين: فريق يخدم إخوانه ويتعب نفسه من أجلهم ، والفريق الآخر متكىء ، لايشارك إلا في القيام إلى الوجبة ، ولايشارك في إعداد طعام ولارفعه من الأرض ، ففي أي عقل أو شرع ،أوذوق هذا . لكن إذا ألحوا عليه في ترك مساعدتهم ، تقديرا منهم ، فلا بأس.
• كثرة التعليق الساخر على أحد الزملاء والتغامز بين البعض من قلة الذوق، وربما كان هذا الأخ مبتلى بعادة يصعب عليه الفكاك منها ، فيكون ذلك من مداخل الشيطان في إيغار صدره ، وقد رأينا بعض آثار هذا الأمر في نماذج لاتخفى ، ومراعاة حال النفوس أمر لازم.
• كثرة التمحل بالسؤال عن الخصوم والأقران،من فساد ذوق الداعية،فتراه يسأل ؟ماذا قالوا وهل أحدثوا اليوم شيئًا ، وهل قالوا في ّ بالذات كلامًا ، ويظل هذا ديدنه وهجيراه ، وربما أورث هذا لتلاميذه فأصبحت أنفسهم عدوانية ، ونشأ لديهم مايسمى بنفسية الصراع ، فلا يعيش الواحد منهم إلا في هذه الأجواء الساخنة ، ويذهب في هذا الخضم هدوء المؤمن وسكينته ، حتى لكأن هذا الداعية من أصحاب الصراع الدنيوي في مكاتب العقار، أو صراع الساسة من أهل الأحزاب والتكتلات السياسية .وما أجمل قول أبي العلاء الحضرمي الصحابي المعروف:
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم
تحية ذي الحسنى فقد يرقع النقل
فإن دحسوا بالشر فاعف تكرما
وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه
وإن الذي قالوا ورائك لم يقل
• ونفس المؤمن الصافية لاتحبذ العيش في هذه الأجواء المحتدمة ، فضلًا عن تطلبها ، قال بعض السلف كما نقله النووي (1) ""
قال بعضهم: مارأيت شيئًا أذهب للدين ، ول أنقص للمروءة ، ولاأضيع للذة ، ولاأثقل للقلب من الخصومة"وكم من كلمات الغيبة التي يزينها الشيطان ، تحت رونق النصح ومعرفة الواقع ، بينما هي في الحقيقة نفثات مصدور وتمضمض بالأعراض ، يكر على الحسنات فيفنيها . والله المستعان"
• ومما يلاحظ على بعض الدعاة ، عدم مراعاتهم لوقارهم وأعراف مجتمعاتهم فيأتون مايستهجن في بلدهم ، وإن لم يكن حرامًا ، لكن الداعية الذي هو قدوة لغيره يأبى أن يكون مضغة في أفواه الناس ، ولايقولن لنفسه طالما أن هذا الفعل ليس بحرام فلا علىّ من الناس ! فإن الداعية قدوة ، وقد قال بعض السلف: لقد كنا نفعل أفعالا ، فلما أصبحنا قدوة للناس تركناها.
• والتفسح في المجالس من ذوق الداعية والخطيب: فإذا أقبل أحد ، ولم يجد مكانا في المجلس ، فعلى من كان لديه مكان مناسب أن يفسح له في مجلسه ( ياأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ) (2) .
قال الأصمعي"كان الأحنف إذا أتاه إنسان وسّع له ، فإن لم يجد موضعًا تحرّك ليريه أنه يوسّع له."
وللزوجات نصيب من ذوق الداعية والخطيب فهي صاحبته في طريق الدعوة ، فلنحسن التعامل معهن ، وتثني على حسن صنيعهن ، ونقلل معاتبتهن ، ونسرق الأوقات للبقاء معهن ومع الأولاد ، ونشعرهن بأنهن يشاركن في هذا الطريق ، بخدمة الضيوف ، والخلف في البيت وتربية الأولاد ، ومن الجفاء أن يظل الزوج يهدد زوجته دائما بالزواج عليها ، فليس ذلك من شأن الكرام .
وللأولاد نصيب من وقت الداعية والخطيب فإن بعض أولاد الدعاة غير مهذبين ، وبلا ذوق أوحياء أو احترام للكبير حتى لكأنهم أولاد عوام ويتضح ذلك في القاموس الذي تحويه ألسنتهم من السباب والشتائم ، وربما تساهل الداعية في الزيارات لبعض الأقارب الذين لايربون أولادهم ، فيقبس منهم أولاد الداعية الخلق الرذيل ، وأبوهم مشغول بأولاد المسلمين ، وشبابهم.
(1) -(الأذكار ص 330
(2) - المجادلة 11