الصفحة 102 من 733

إياكَ وخلوَ الخطبة من آيات موقظة ، ودلائل بينة ، فإنها حيئذ ، البتراء في لونها وشكلها ومحتواها والقرآن مادة ثرية ، وذخائر وعظية للخطبة ، فلا تنسَ من من وقت لآخر، أن تنطلق من (ظل آية) أو (عبرة قرآنية) أو (قصة دعوية) أو (درس تاريخي) أو (خلق نبيل أو(عادة مستحسنة) أو (عرف قبيح) أو (موقف نبوي) وكل ذلك وأشباهه تجده في هذا الكتاب العزيز الذي غصَّ بدرر الحكم والفوائد، وامتلأ بأنوار العبر والفرائد (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24] .

ومن خلال غزارة القرآن الموضوعية ومعارفه الثقافية والحكمية يستطيع جمهرة من الخطباء صناعة (موسوعة قرآنية) فذة ، تكون زاد الخطب وينابيع أحاديثه وتوجيهاته وقد خطَت موسوعة (نضرة النعيم) خطوات جلَّى في ذلك ، وإن كانت في جوانب محدودة ، لكنها مرجع ثمين ، ومستودع متين ، جزى الله معدّيها خيرا .

(2) السنة النبوية من خلال مراجع مشهورة كرياض الصالحين ومشكاة المصابيح ، والترغيب والترهيب . وطالب العلم الجيد، لا يغيب عن ذهنه ضرورة مراجعة الصحيحين كثيرًا ، والتحفظ وكثرة الاستنباط منها.

والخطيب الفقيه ، من يجعل من (حديث صغير) عنوان خطبة ، يجري في معانيه ، ويغوص في درره ومغازيه . والسنة النبوية لا تقل عن القرآن ثراء وتنوعًا وأزاهير معرفية! خليقة بالطرق والتقرير والاستنباط ومنها الطويل الجميل ، الذي قراءته بكماله ، هو خطبة مؤثرة، ودرس محكَم ، وحديث متكامل، نحو حديث الأخدود ، أو قصة إبراهيم وهاجر ، أو قصة الإفك ، أو قصة كعب بن مالك ، أو حديث سمرة في الرؤيا ، وحديث الدجال ، وكلها ثابتة في الصحاح .

وفي سياق (الخطب الحديثية) على الخطيب ملاحظة صحة الحديث والرجوع إلى مراجع محققة ، حكم عليها المحققون نحو صحيح الجامع وضعيفه ، والسلسلة الصحيحة والضعيفة للألباني .

وصحيح الترغيب والترهيب له أيضًا ، فهذه تعين المتخصص وغيره على الاحتجاج بالصحيح ، وطرح ما عداه .

ولقد مللنا من خطباء يرددون الضعاف ، ويستملحون المنكرات ، دون اهتمام أو مراجعة ، هل الحديث صحيح أم لا ؟! وقد قيل:

واعجب من الخطيب ذي الضعافِ

من يشدو بالموضوع والسخافِ

وهذا في رأيي الشخصي ، تقصير مثير للاشتئمزاز ، لأن الكتب دانية ومواقع الإنترنت رحبة ، وسؤال المختصين متاح ! فلماذا التكاسل حيئنذ ؟!!

إن ثمة خطباء بتقصيرهم ، يسهمون في نشر الأحاديث الضعيفة وتنحية الأحاديث الصحيحة !!

وبعضهم إذا انتُقد ، جادل وأكد صحة الحديث مكابرةً وعنادًا ، وبعض الفقهاء لا يريد أن يتعلم فن البحث عن الصحاح ، وهجر الضعاف ، ويرى أن تخريجه على رؤوس المنابر كافٍ في رفع التبعة عن المتحدث أو كون الحديث في كتاب مشهور كالترمذي من الأمهات، أو مرجع كالترغيب والترهيب دليل صحته وقبوله ، وقد سمعت خطيبًا يجادل عن حديث سلمان في استقبال رمضان وأنه صحيح بحجة إخراج ابن خزيمة له ، وشواهد الصحة عليه ، وقد أخرجه ابن خزيمة والبيهقي، مع أن في إسناده علي بن زيد بن جُدعان ، وهو منكر الحديث ، ويتجاهل الأخبار الصحيحة المتكاثرة في فضل رمضان!

(3) السيرة النبوية الشريفة الملتهبة بالصبر والعظات ومنها ما قصه القرآن ، وأخرجته الكتب المعتمدة وحوى من رقائق المواعظ ، ولطائف القصص ومباهج الأرواح، ما يبهر ويدهش !

فلابد حينئذ من الدنو منها ، وتكرارها المستديم ، ومحاولة التفقه فيها .

وقد قال تعالى: (فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 176] .

وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) [يوسف: 111] .

ومن محاسن المراجع في ذلك (سيرة ابن هشام) ، (والرحيق المختوم) وما كتبه (مهدي رزق الله) و (منير الغضبان) و (الشيخ سلمان العودة) و (إبراهيم العلي) وأمثالهم جزاهم الله خيرا .

وينبغي جعل مرجع خاص يطالعه الخطيب مرات وأخرى ويحشيه ويعلق عليه ، ويديم التدبر والتفقه فيه .

ومن فوائدها على الداعية والخطيب:

ضبط المسار الدعوي ، والتحرك الفكري .

موسوعة تثقيفية ، وتربوية غاصة بالدروس والعظات .

سلوة الدعاة ، ومعين لتصبيرهم وتثبيتهم .

تبيان للمنهج العملي للإسلام .

مؤئل استخراج الأخلاق والآداب والتي هي خليقة بالنشر والتفعيل والتطبيق .

بيان كيفية التعامل مع المواقف والأزمات .

(4) الإرث السلفي والتاريخي للصحابة وأتباعهم بإحسان ، لا سيما وأنهم من فهم الإسلام على حقيقته ، وأخذه بحزم وقوة ، ونشره في الآفاق بفقه وحكمة ، وكانت أخلاقهم وسلوكياتهم ، معبِّرة عن روح الإسلام، وفهم مقاصده وتشريعاته .

فمثل ذلك الإرث جدير بالتوقف معه ، وفهمه ، وتعلمه ، والإفادة منه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ولما رأى نصارى الشام صحابة رسول الله قالوا: (ما كان الذين صحبوا المسيح بأفضلَ من هؤلاء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت