الأمة الحرة لا تَستجدي حقَّها، ولا ترجو الإحسان من أصحاب الإساءات، ولا المغفرة من الظالمين، الأمة الكريمة تعرِفُ عدوَّها كما تعرِفُ سبيل المجرمين وكيد الماكرين في وعيٍ راشدٍ، وعملٍ حكيمٍ، وسَعيٍ دَؤوبٍ لا تستطيل الطريق، ولا تستبطئ الفوز، ولا تستعجل النتائج.
بل لقد قال بعض أهل الحكمة: «سِيروا ولو عُرجًا ومكاسير فإن انتظار الصحة بَطَالة» ، ومن سأل اللهَ الشهادةَ بصدقٍ بلَّغَه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
وبعد:
فإن العرب والمسلمين لا يقبلون سلامًا لا يُقيم دولةً، ولا يُعيد مُشرَّدًا، ولا يرُدُّ قُدسًا، والمبادرات لا تكون دائمًا فوق المِنضَدة، لا يقبلون مفاوضاتٍ تأخذ ولا تُعطِي، تُرضي القاتل وتهضِم حق المقتول تُقِرّ باطلًا وتُفقِد حقَّها، يأخذ بها قومٌ لا يدخلون مفاوضات يأخذ بها قومٌ كل ما يريد، والطرف الآخر بين وعد ووعيد، وطريق المقاومة والجهاد لا يستطال مهما كثُرَت تكاليفه وضحاياه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية