ومع هذا كله فلا يُنكَر أن للأحداث والنوازل والظواهر الكونية أسبابها الظاهرة، وتفسيراتها العلمية، ولكن حذار أن يكون الرُّكُون إلى ذلك مما يُهوِّنُ العظة، ويُقلِّل من الاعتبار، ويغلظ حجاب الغفلة، ويصرف عن الإيقاظ والاتعاظ، فالأسباب - رعاكم الله - من ورائها ربُّها ومُسبّبها والحاكم عليها - سبحانه عز شأنه - إذا أراد شيئًا هيَّأَ أسبابه، ثم رتَّب عليه - إن شاء - نتائجه وآثاره.
وبعد، أيها المسلمون:
فإن نظرة المؤمن بكون الكوارث والأحداث ومتغيرات الكون - أرضيِّها وسماويِّها - نظرته نظرة إيمان وتوحيد وعبادة تجمع بين التسليم بالأقدار والرضا بالمقادير والأخذ بالأسباب؛ فكل ما يجري بقدر الله وإرادته ولا يخرج شيء عن تقديره وتدبيره ومشيئته، فالمنظور إليه - حفظكم الله - ليس وقوعَ البلاء، وحلول المصائب، فهذا قَضَت به سُنَنُ الله - سبحانه - يُرسِلُه ويبعثه إلى من يشاء من خلقه، وإنما العبرة في موقف العبد من الرضا والتسليم والصبر ومدافعة الأقدار بالأقدار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22، 23] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، لا زالت أقداره في الورى ماضية، وأحكامُهُ على البرايا جارية، أحمدُهُ - سبحانه - وأشكره، وأتوبُ إليه وأستغفره، نِعَمُهُ متوافرة، وآلاؤه علينا متوالية.