ذلكم أن التحذير من المعاصي، والإنذار من المخالفات ليس رميًا للأمة بالفسوق، ولا جزمًا في اتهام أقوامٍ بالتقصير، وقد حدثت نوازل في عهد السلف، وحلَّت كوارث في خير القرون فكان عام المجاعة، ووقع الطاعون في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - وفيهم المهاجرون والأنصار وأصحاب بدر وصفوة الأمة.
وحين تحل الابتلاءات بأهل الإسلام وديارهم فمع ما ينبغي من الحذر والخوف والوجل، والمسارعة إلى التوبة، لكن من المتقرر لدى أهل العلم أنه لا يُقطع بأن كل البلايا عقوبات، وجميع النوازل مَثُلات، بل منها ما هو ابتلاءٌ وتمحيص، ومنها ما هو رفعٌ للدرجات وتكفيرٌ للسيئات، ومنها ما هو امتحانٌ للرضا والتسليم، وتحقيق الإيمان بأقدار الله المؤلمة.
ولا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، وما يصيب المؤمنَ من همٍّ ولا غمٍّ ولا حَزَن، حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفَّر اللهُ بها خطاياه، بذلك صحَّت الأخبار عن نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
بل إن مما يصيب الله به في الدنيا بعضَ عباده ما يكون مانعًا من عقاب الآخرة، ومنه ما يكون سببًا لصلاح النفس والذرية في الدين والدنيا.
معاشر الأحبة:
ومع وضوح ذلك وجلائه في مبادئ الإسلام وأصوله، إلا أن من المعلوم كذلك أن من الحوادث والكوارث والآيات والابتلاءات ما هو مرتبطٌ بأعمال بني آدم ومخالفاتهم ومعاصيهم وفسوقهم، وقد قال نبينا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم: «يا أمَّة محمد! والله ما مِنْ أحدٍ أغْيَر مِنَ الله أنْ يزني عبدُه أو أن تزْني أَمَتُه» ، ولما قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثُر الخَبَث» ؛ حديث متفق عليه، وفي حديثٍ رواه الإمام أحمد بسندٍ حسن يقول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ العبْدَ ليُحرَم الرزق بالذنْبِ يصيبُه» .