أرق الناس أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان والحكمة يمانية" [1] . اهـ."
22 - (446) أنبا أحمد بن إسحاق، ومحمد بن إبراهيم بن الفضل، قالا: ثنا أحمد بن سلمة، ح/ وأنبا عمرو بن محمد، ومحمد بن يونس، قالا: ثنا حسين بن محمد بن زياد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الله بن الحارث المخزومي المكي، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال [2] : قال رسول الله صلى الله عليه (وسلم) :"غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز" [3] .
(1) فيه متابعة هشام بن حسان لأيوب عن ابن سيرين.
(2) قال، هكذا في الأصل وفي رواية مسلم: يقول.
(3) إسناده صحيح وأخرجه: م/ في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان فيه 1/ 73 ح 93 من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي به.
التعليق:
أورد المصنف تحت هذا العنوان روايات حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو"الإيمان هاهنا وأشار بيده صلى الله عليه وسلم نحو اليمن"وروايات حديث أبي هريرة الإيمان يمان والحكمة يمانية والكفر قبل المشرق، وفي رواية الفقه يمان، وحديث جابر غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز.
هذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على أن المقصود منها اليمن مطلقا، إلا أن الرواية التي فيها ذكر الحجاز تدل على ما يراه المصنف من أن المقصود منها الحجاز لأن مكة يمانية، ولذلك قيد الروايات الأخرى بها، وهذا قول لبعض العلماء، وقد رجح آخرون خلافه وهو القول بما جاء في ظاهر ألفاظ الحديث، بأن المراد اليمن المعروف، فقد جاء في طريق الحديث ما يؤيد ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"جاءكم أهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان يمان ..". الحديث كما يأتي توضيحه من كلام النووي نقلا عن ابن الصلاح، يقول النووي في شرح مسلم 2/ 32 - 33:"قد اختلف في مواضع من هذا الحديث وقد جمعها القاضي عياض رحمه الله، ونقحها مختصرة بعده الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله، وأنا أحكي ما ذكره قال: أما ما ذكر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن فقد صرفوه عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى، فحكى أبو عبيد ثم من بعده في ذلك أقوالا:"
أحدها: أنه أراد بذلك مكة فإنه يقال إن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن.
الثاني: أن المراد مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال: الإيمان يمان، ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن كما قالوا الركن اليماني، وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن.
الثالث: ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها عند أبي عبيد، أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون، في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره"."
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله:"لو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: أتاكم أهل اليمن، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذن غيرهم، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: جاء أهل اليمن، وإنما الذي جاء حينئذ غير الأنصار، ثم أنه وصفهم صلى الله عليه وسلم بكمال إيمانهم ورتب عليه الإيمان يمان، فكان ذلك إشارة لإيمان من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة لأن من اتصف بشيء وقوي قيامه به وتأكد اطلاعه منه ينسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بتميزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان وحال الوافدين منه في حياة رسول الله وفي أعقاب موته كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني رضي الله عنهما وشبههما ممن أسلم قلبه وقوي إيمانه فكانت نسبة الإيمان إليه لذلك إشعار بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي لهم عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم الإيمان في أهل الحجاز، ثم المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه هذا هو الحق في ذلك ونشكر الله تعالى على هدايتنا له والله أعلم".اهـ. قلت: والمصنف هنا جمع طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم لكنه ذهب إلى قول من قال: إنه أراد مكة على معنى أنها من تهامة وتهامة من أرض اليمن.
ولكن الراجح في هذه المسألة قول ابن الصلاح لظاهر ألفاظ الحديث المؤيدة بالقرائن كقوله صلى الله عليه وسلم:"جاءكم أهل اليمن"، بل إن ابن حجر يذهب إلى أن الحديث أعم حتى من تفسير ابن الصلاح فيقول في فتح الباري 8/ 99 - 100 بعد نقله لكلام أبي عبيد وابن الصلاح وتأييده قول من يرى أن المقصود اليمن مطلقا قال:"ولا مانع أن يكون المراد بقوله الإيمان يمان، ما هو أعم مما ذكره أبو عبيد وابن الصلاح، وحاصله أن قوله يمان، يشمل من ينسب إلى اليمن بالسكنى وبالقبيلة ولكن كون المراد به من ينسب بالسكنى المظهر بل المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن وجهة الشمال، فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان". اهـ.