كما ظهرت بدعة القول بالقدر، والجبر [1] ، والقول بالإرجاء [2] ، والتجهم [3] ثم ظهرت فرقة المعتزلة [4] ، وهم نفاة الصفات عن الله تعالى وتقدمت الإشارة إلى أصولهم.
ثم الأشعرية، وهم أتباع أبي الحسن الأشعري [5] .
موقف ابن مندة من هذه الفرق:
إذا رجعنا لمصنفات ابن مندة التي خلفها لنا وجدنا رأيه في هذه الفرق واضحا وصريحا.
1 -فالخوارج: وهم المكفرون لمرتكب المعصية يطبقون عليه أحكام الكفار في الدنيا فلا يرث ولا يورث ولا يدفن في مقابر المسلمين. وفي الآخرة الخلود في النار. وقد وافقتهم المعتزلة في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار تمشيا مع أصلهم الفاسد وهو إنفاذ الوعيد [6] .
وخالفتهم في الحكم عليه في الدنيا فجعلته في منزلة بين المنزلتين. ورأيه في قول هاتين الفرقتين صريح فقد جاء في كتابه الإيمان في الجزء الثاني تحت عنوان ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد ... الخ فقال بعد ذكر الأدلة:"فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم وأن من استحق أحد الاسمين استحق الآخر إذا عمل الطاعات التي آمن بها فإذا ترك منه شيئا مقرًا بوجوبها كان غير مستكمل، فإن جحد منها شيئا كان خرجا من جملة الإيمان والإسلام". وقال في الجزء الثالث منه -"ذكر ما يدل على أن مواجهة المسلم بالقتال أخاه كفر لا يبلغ الشرك والخروج من الإسلام".
ثم قال في الجزء الثاني منه"ذكر أخبار جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم على معنى الندب والتحذير، منها: لا يزني الزاني وهو مؤمن".
ومعلوم أن القتل والزنا من الكبائر، فبين أن ارتكاب هذه المعاصي لا تخرج صاحبها من الإسلام.
ثم ذكر في الجزء الخامس من كتاب الإيمان أيضا وجوب الإيمان برؤية الله عز وجل؛ وقد أورد تحت هذا الفصل الأحاديث المثبتة لرؤية الله عز وجل في الآخرة، وهي ترد على المعتزلة المنكرين لها. ثم
(1) القدر: أي نفي القضاء والقدر السابق من الله تعالى والجبر نقيضه، فهما مذهبان على طرفي نقيض من إرادة الإنسان فمعبد الجهني يقول بنفي القدر أي أن الإنسان حر طليق يفعل ما يشاء، فالأمر أنف لم يقدر الله من أمره شيئا.
وقال الجهم بن صفوان بالجبر، أي أن الإنسان مجبور على أفعاله فلا قدرة له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في الهواء. فلزم على قول الفرقة الأولى: أن يقع في ملك الله ما لا يريد وأعجزوا بذلك قدرة الله تعالى. وعلى قول الفرقة الثانية: أنه لا محل للثواب والعقاب. أما أهل السنة فهم وسط بين الفرقتين فللإنسان إرادة واستطاعة واختيار ولكنها لا تتم إلا بتوفيق الله تعالى للطائعين، والخذلان للعاصين.
انظر: الملل والنحل 1/ 43، 85. والفرق بين الفرق ص 21. والفصل 3/ 20.
(2) المرجئة: فرقة تذهب إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وهو مدار النجاة أما الأعمال فلا حاجة إليها، فقد قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقد فتحوا بمقالتهم هذه بابًا من الفساد عظيمًا لضعاف النفوس في نشر الفساد، فما على المرء إلا أن يصدق بقلبه، ويرتكب كل معصية نهى عنها الإسلام. انظر الفصل 4/ 46.
(3) الجهمية: هم أتباع الجهم بن صفوان، ومذهبه نفي الصفات عن الله تعالى، وهو القائل بأن الإنسان مجبور لا قدرة ولا اختيار، كما قالوا: بفناء الجنة والنار، وقد حكم العلماء بكفره فقتل ببدعته الضالة، قتله مسلم بن الأهوز المازني بمرو، وهو تلميذ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري، سنة 124 هـ على الزندقة والإلحاد. الملل والنحل 86 - 87، طبقات الشافعية 1/ 91.
(4) قالوا: بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات أصلا فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة، وهي صفات قديمة، ومعان قائمة به، لأنه لولا شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية، وهذا معنى التوحيد عندهم أي نفي الصفات. انظر: الملل والنحل 1/ 44.
(5) أبو الحسن هو علي بن إسماعيل الأشعري (توفي سنة 324 هـ) أمضى فترة على مذهب الاعتزال مع أبي علي الجبائي، ثم ترك مذهب الاعتزال، وسلك طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر. الخطط للمقريزي 2/ 358، ثم انتقل بعد ذلك عن مذهب ابن كلاب إلى مذهب السلف، فكان يقول: بقول الإمام أحمد بن حنبل وأهل الحديث، يدل لذلك ما جاء في كتابه (مقالات الإسلاميين) حين سرد مقالة أهل الحديث حيث قال: وبكل ما قالوا نقول، وإليه نذهب. وما جاء في كتابه الإبانة، فهو موافق لمذهب السلف في جميع المسائل العقدية.
وبهذه المناسبة نقول: ما ذا يضر أتباعه الذين هم الآن على مذهب الكلابي أن يرجعوا إلى مذهبه الذي استقر عليه في كتابه مقالات الإسلاميين الذي لا ينكره أحد وكتابه الإبانة وهو من أشهر كتبه، لأنه إذا كان الحق فيما قاله فينبغي الاعتماد على الأخير من أقواله. فقد كان معتزليًا ثم كلابيًا وأخيرًا سلفيًا.
وإن كان الحق فيما تركه فليس لهم الحق في الانتساب إليه في مذهب تركه والله الموفق.
(6) انظر ص 5.