أحد غير الدكتور نصار أن هؤلاء من المتطرفين فإن ابن تيمية يسير في ركبهم. وقد أراد الطعن عليه ولكنه أضاف معه هؤلاء الأئمة الثلاثة الدارمي، وابن خزيمة وابن مندة.
ونقول لبيان الحق: إن هؤلاء العلماء الذين اتهمهم الدكتور نصار بعدم المعرفة للحديث دراية، قد جانبه الصواب في حقهم، وسبب ذلك أحد أمرين: إما لعدم رجوعه إلى تراجمهم ليطلع على أقوال العلماء فيهم ويعرف مصنفاتهم حتى يبين ذلك من أقوالهم.
وإما أنه اطلع على ذلك، ولكنه يسير مع من سلكوا مسلك التأويل للنصوص الشرعية، من المتكلمين، فيكون حكمه على من أثبتها بعدم المعرفة. ويصبحون من زمرة المتطرفين في نظر الدكتور نصار وهذا هو الأقرب، لأنه لا يظن بالدكتور أنه لم يطلع على تراجمهم.
ونبدأ بابن مندة فنقول: قد رأيت ما قاله العلماء فيه، ولا نعتقد أن رأي الدكتور أحمد نصار يرجح على آرائهم. ونضيف هنا أنه قد ألف كتابًا في شروط الأئمة ويأتي وصفه في الفصل الخاص بمصنفاته.
أما الدارمي: فيقول الذهبي في ترجمته:"هو الإمام الحافظ الحجة أبو سعيد عثمان ابن سعيد بن خالد السجستاني محدث هراة وتلك البلاد، سمع أبا اليمان البهراني وسعيد بن أبي مريم وسليمان بن حرب، وأخذ هذا الشأن عن ابن المديني ويحيى وأحمد وأكثر الترحال. قال أبو الفضل يعقوب القراب: ما رأينا مثل عثمان بن سعيد ولا رأى هو مثل نفسه".
وقال أبو حامد الأعمشي:"ما رأيت مثله ومثل الذهلي ويعقوب الفسوي".
قال الذهبي:"قلت: ولعثمان سؤالات عن الرجال ليحيى بن معين، وله مسند كبير وتصانيف في الرد على الجهمية. وهو الذي قام على ابن كرام وطرده من هراة فيما قيل. مولده سنة مائتين ظنا. توفي في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين" [1] .
فهل على الموصوف بهذه الصفات، الحفظ والتصنيف والرد على المخالفين، والذي أخذ عن ابن معين علم الرجال، هل يظن أنه لا دراية عنده.
وأما ابن خزيمة: فيقول الذهبي في ترجمته أيضا:"هو الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين".
قال الدار قطني:"كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير".
وقال أبو العباس بن سريج وذكر له ابن خزيمة فقال:"يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش".
وقال أبو زكريا يحي بن محمد العنبري سمعت ابن خزيمة يقول:"ليس لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قول إذا صح الخبر".
وقال الحاكم في كتاب علوم الحديث:"فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل والمسائل المصنفة مائة جزء. وله فقه حديث بريرة في ثلاثة أجزاء" [2] .
هذا قليل من كثير مما قاله العلماء عن ابن خزيمة، وإذا كان يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش. وله في فقه حديث واحد وهو حديث بريرة ثلاثة أجزاء، أفمن كانت هذه صفة يستحق أن يقال عنه ليست له دراية. نترك الحكم للقارئ ليوازن بين رأى الدكتور نصار، وأقوال هؤلاء العلماء. نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه.
الفصل الرابع: عقيدته وموقفه من الفرق المخالفة لمنهج السلف
يتطلب الحديث عن عقيدة ابن مندة إلمامة موجزة بالمذاهب والنحل التي وجدت في عصره لنعرف مدى تأثره بها أو مخالفته لها ورده عليها. سبق أن أشرت إلى ظهور الفرق التي جنحت عن هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة صحابته من بعده، وأن أول تلك الفرق ظهورا هم الخوارج [3] الذين خرجوا على علي ومعاوية رضي الله عنهما. ثم الشيعة [4] وهم المشايعون لعلي - رضي الله عنه - في زعمهم
(1) تذكرة الحفاظ 2/ 621 - 622.
(2) تذكرة الحفاظ 2/ 720 - 729.
(3) كانت الخوارج من أنصار علي رضي الله عنه، وبعد التحكيم الذي أصروا عليه، انشقوا عليه، وأنكروا أن يحكم الرجال في كتاب الله وقالوا: لا حكم إلا لله، ثم اعتبروا ذلك التحكيم معصية وكفرا، وقد حاول الإمام علي رضي الله عنه إقناعهم، فأرسل ابن عباس رضي الله عنه فناظرهم فاقتنع فريق منهم ورجعوا، وأصر الآخرون جهلا واعتزلوا عنه وحاربوه، ثم بدأ الانشقاق في صفوفهم كلما حدثت قضية تباينت فيها آراء رؤسائهم لجهلهم، قال ابن حزم:"كانوا أعرابا قرؤوا القرآن ولم يتفقهوا في السنن وبذلك تعددت طوائفهم". الفصل في الملل والنحل لابن حزم 4/ 168، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بمصر سنة 1384 هـ 1964 م. الملل والنحل للشهرستاني 1/ 115 الناشر مؤسسة الحلبي سنة 1387 هـ 1968 م تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل. الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص 57، الطبعة الأولى سنة 1393 هـ 1973 م، الناشر دار الآفاق الحديثة ببيروت.
(4) الشيعة: هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية إما جليا، وإما خفيا. واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين. انظر الملل والنحل 1/ 146.