فقد ذكر ذلك في الفصل الثاني من الجزء الثاني ص 551 - العلاقة بين منهج ابن تيمية ومنهج الإمام أحمد. في معرض رده على ابن تيمية حيث يقول:"لقد حاول ابن تيمية جاهدا أن يجذب نصوص السلف ومنهم الإمام أحمد إلى فهمه الخاص وظهر هذا بوضوح في النقاط الآتية:"
النقطة الأولى: الدعوى بأن السلف وخاصة الصحابة قد فهموا ألفاظ القرآن ومعانيه. قال - الدكتور: ولن نتكلم في هذه النقطة كثيرًا رغم ما بين أيدينا من النصوص المتعددة التي تربط بين رأي ابن تيمية وآراء بعض المتطرفين الذين ذكرناهم من قبل وذلك في أكثر مسائل العقيدة لاسيما المسائل الثلاث التي ذكرناها.
قلت: يعني بالمسائل الثلاث هي:
الأولى: التي ذكرناها آنفًا وهي: الدعوى بأن السلف وخاصة الصحابة قد فهموا ألفاظ القرآن ومعانيه.
والثانية: الدّعوى بأن القرآن لا يمكن أن يشتمل على ما لا يفهم.
والثالثة: الدّعوى بأن بعض الألفاظ المتعلقة بالعقيدة لو لم يكن مراد بها المعنى والظاهر لكان على الرسول أن يبينها.
قال - أي الدّكتور:"ومن ذلك إيراده حديث القبض والبسط [1] الذي استند عليه كل من الدارمي وابن مندة وابن خزيمة في إثبات القبضة لله، ويرى أن هؤلاء ممن لا يتطاول إلى مرتبتهم في الحديث".
يقول الدكتور:"وقد لا ننازعه في هذا وإنما النزاع في كيفية توجيههم للأحاديث المشكلة بما يدل على أن هؤلاء ليس لهم من علم الدراية ما يساوق علمهم بالرواية".
هكذا يذهب الدكتور نصار فيتهم ثلاثة من أئمة الإسلام شهد لهم العلماء الثقات بالمعرفة التامة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى المعرفة هي المعرفة بالرواية والدراية، وكل واحد من هؤلاء قد ألف في العقيدة ورد على كل من أوّل نصًا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ ليس لأحد قول إذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يشعر أن لهم علمًا بالدراية وإلا لما استدلوا بتلك الأحاديث في أبوابها. فهم ليسوا حملة أسفار لا يفهمون ما يحملون ومن الذي يدعي غير الدكتور نصار: أن الصحابة لم يفهموا ألفاظ القرآن ومعانيه. ومن يدعى أن القرآن اشتمل على ما لا يفهم (اللهم إلا الحروف المقطعة وهذه ليست من الباب الذي يتكلم فيه ابن تيمية) بل إن الحروف المقطعة تكلفوا في معانيها.
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [الآية 8 من آل عمران] . لم يذكر ابن كثير في تفسير الآية عن أحد ممن نقل أقوالهم من العلماء أنه قال: إن صفات الله تعالى من المشكل.
ومن يدعي أيضًا أن الألفاظ الواردة في العقيدة لم يكن المراد منها ظاهرها، اللهم إلا المؤولون بناء على ما قام بأذهانهم من أن آيات الصفات وأحاديثها من المشكل كما يقول الدكتور نصار، إن حديث القبض والبسط وما شابهه من المشكل. وما أشكل ذلك إلا عند من فهم من الآية أو الحديث ما شاهده في المخلوق الذي منحه الله الاسم فكان الاشتراك فيه لا في الحقيقة والكيفية، كالحياة والقدرة والعلم والنفس وغيرها. فقام في ذهنه هذا التشبيه الذي حمله على التنزيه فوقع في التعطيل.
وهذا معنى قول ابن تيمية وابن القيم: كل معطل مشبه: وإلا فليست آيات الصفات وأحاديثها من المشكل عند سلف هذه الأمة. فقد رووها وآمنوا بمعانيها من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل بل على أساس قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وهذا مسلك ابن تيمية في الصفات.
وإذا كانت أحاديث الصفات من المشكل كما يرى الدكتور، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن البيان في وقت الحاجة. لا يقول بهذا أحد من علماء الإسلام لأن ذلك نقص في حق الرسالة، فالرسول بلغ البلاغ المبين.
وهل بقي هذا الإشكال في أحاديث الصفات زمن الصحابة والتابعين إلى أن جاء أرباب المنطق والكلام فبينوا للناس الحق في هذه الأحاديث وقالوا لهم إنه لا يجوز اعتقاد ظاهرها.
وإذا كان الصحابة والتابعون ومنهم الأئمة الأربعة لم يثبت عنهم تأويل صفة من الصفات وأنهم فهموا ما سمعوه من ألفاظ القرآن في العقيدة وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة وآمنوا به على ظاهره على أساس قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . أليس يسعنا ما وسعهم وهو الأسلم للمرء في عقيدته و دينه. ثم نوجه الأمة لما ينفعها في دينها ودنياها ويجمع شملها ويوحد كلمتها. وهذا المسلك هو الذي يجب أن يسلكه علماء المسلمين قاطبة.
أما ابن تيمية فيعرف فضله المنصفون، ولكن الدكتور نصار لما كان سائرًا في ركب الطاعنين عليه بلا حجة ولا مستند، إلا مخالفته لما هم عليه من تأويل آيات الصفات وأحاديثها، اتهمه بالتطرف مع أن اعتماد ابن تيمية في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله مع إثباته الحقيقة، كما قال الله ورسوله، والله أعلم بنفسه ورسوله أعلم خلقه بصفاته تعالى ثم متابعة الصحابة والتابعين ومنهم الأئمة الأربعة، ولا يقول
(1) حديث القبض والبسط أخرجه م/ في صفات المنافقين 4/ 2148 ح 25 من حديث ابن عمر. ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي. وخ/ أخرج لفظ القبض في التوحيد، باب {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ} فتح الباري 13/ 393 ح 7412، 7413 من حديث ابن عمر.