وقال جعفر بن محمد المستغفري [1] :"ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي عبد الله بن مندة، سألته يومًا كم تكون سماعات الشيخ فقال: تكون خمسة آلاف منّ، قلت - أي الذهبي: يكون المنّ نحوًا من مجلدين أو مجلدًا كبيرا" [2] .
وقال الباطرقاني [3] :"أبو عبد الله بن مندة إمام الأئمة في الحديث لقاه الله رضوانه، وقال: كتب إمام دهره أبو أحمد العسال إلى ابن مندة وهو بنيسابور في حديث أشكل عليه فأجابه بإيضاحه وبيان علته" [4] .
وسئل سعد بن علي الحافظ [5] بمكة، عن الدار قطني، وابن مندة، والحاكم، وعبد الغني فقال: أما الدار قطني فأعلمهم بالعلل, وأما ابن مندة فأكثرهم حديثًا مع المعرفة التامة, وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفًا, وأما عبد الغني فأعرفهم بالأنساب" [6] ."
وقال أحمد بن جعفر الحافظ:"كتبت عن أزيد من ألف شيخ ما منهم أحفظ من ابن مندة".
وقال ابن ناصر الدين [7] :"أبو عبد الله الإمام أحد شيوخ الإسلام، وهو إمام حافظ جبل من الجبال، ولما رجع من رحلته كانت كتبه أربعين حملًا على الجمال حتى قيل إن أحدًا من الحفاظ لم يسمع ما سمع ولا جمع ما جمع" [8] .
صفات ابن مندة:
وصف بأنه فريد عصره دينًا وحفظًا ورواية مع اللطف والتواضع [9] والعفة قوي الثقة بالله تعالى، روى يحيى بن مندة في تاريخه عن أبيه وعمه أن أبا عبد الله قال: ما افتصدت قط، ولا شربت دواء قط، وما قبلت من أحد شيئا [10] قط، كما كان مجانبًا لأهل الأهواء والبدع، قال: طفت الشرق والغرب مرتين فلم أتقرب إلى مذبذب، ولم أسمع من المبتدعين حديثًا واحدا [11] . كان من دعاة السنة وحفاظ الأثر آمرًا [12] بالمعروف ناهيًا عن المنكر. لا يجامل أحدًا فيما يعتقد أنه الحق، فقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء من طريق عبد الرحمن بن مندة، قول محمد بن عبد الله الطبراني قال: قمت يومًا في مجلس والدك رحمه الله فقلت: أيها الشيخ فينا جماعة ممن يدخل على هذا المشؤوم أعني أبا نعيم الأشعري، فقال: أخرجوهم فأخرجنا من المجلس فلانًا وفلانًا، ثم قال: على الداخل عليهم حرج أن يدخل مجلسنا أو يسمع منا أو يروى عنا فإن فعل فليس هو منا في حل.
قال الذهبي:"قلت: ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم"، ثم قال:"وقد كان أبو عبد الله وافر الجاه والحرمة إلى الغاية ببلده، وشغب على أحمد بن عبد الله الحافظ بحيث اختفى" [13] يعنى أبا نعيم. وسنذكر سبب الخلاف بينه وبين أبي نعيم في الفصل الرابع عند دراسة عقيدة ابن مندة.
وقد نقلنا أقوال العلماء الحفاظ الثقات في ابن مندة وشهادتهم له بالحفظ والثقة والمعرفة التامة، ومما يدل على هذه المعرفة أنه ألف الكتب الكثيرة في نواحٍ عدة كعلوم الحديث وفي العقيدة مؤيدًا المسائل التي تكلم فيها بالأدلة من السنة مما يجعلنا ندرك أنه كان من أهل الدراية والفقه في العقيدة الإسلامية، لا كما يقول الدكتور عبد الستار أحمد نصار في رسالته (المدرسة السلفية وموقف رجالها من المنطق وعلم الكلام عرض ونقد) : أنه لا علم له بالدراية.
(1) هو الحافظ المحدث أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفري، توفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
قال: سمعت ابن مندة الحافظ يقول: إذا وجدت في إسناد زاهدًا فاغسل يدك من ذلك الحديث. تذكرة الحفاظ 3/ 1102، شذرات الذهب 3/ 249، طبقات الحفاظ ص 424.
(2) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 8/ب.
(3) الباطرقاني - أحمد الباطرقاني - بكسر الطاء المهملة وسكون الراء وبالقاف - نسبة إلى باطرقان قرية من قرى أصبهان المقرئ الأستاذ حدث وحفظ روى عن أبي عبد الله بن مندة وطبقته، توفي في صفر سنة ستين وأربعمائة. شذرات الذهب 3/ 308.
(4) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 8/ب، ومن أدركه الخلال من أصحاب ابن مندة تخريج الحافظ أبي موسى المديني ورقة 144.
(5) هو الإمام الثبت الحافظ القدوة أبو القاسم سعد بن علي بن الحسين الزنجاني شيخ الحرم، توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ 3/ 1174، طبقات الحفاظ ص 440.
(6) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 8/ب.
(7) ابن ناصر الدين هو الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد الدمشقي، مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. طبقات الحفاظ ص 545.
(8) شذرات الذهب 3/ 146.
(9) من أدركه الخلال من أصحاب ابن مندة ... ورقة 146.
(10) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 9/أ.
(11) طبقات الحنابلة 2/ 167.
(12) ميزان الاعتدال 3/ 479.
(13) سير أعلام النبلاء 11/ 9/ب.