الصفحة 97 من 306

الحديث الثاني في"صحيح مسلم"وفي"صحيح البخاري"هو حديث شريك بن أبي نَمِر الذي ذكرناه سابقًا في الإسراء، انتقده ابن حزم على البخاري، ولم ينتقده على مسلم! وهنا نقف، لماذا لم ينتقده على مسلم مع أن مسلمًا أخرج إسناده وطرف المتن؟! لأنه فَهِمَ ابنُ حزم أن إخراج مسلم له إنما كان من أجل أن يبين علته، ولذلك ما اعتبره حديثًا منتقدًا على مسلم، وإنما اعتبره حديثًا منتقدًا على البخاري، مع أن الحافظ يقول: إن البخاري أخرجه أيضًا ليبين علته، فانظر! كيف مواقف العلماء من هذه المسائل لتعرف أن المسألة ليست بالأمر الهين، استخراج الحديث الذي أُخرج لبيان العلة يحتاج إلى دراسة واستقصاء وتَأَنٍّ ونظر دقيق في المسألة.

من العلماء الذين انتقدوا بعض الأحاديث في"صحيح مسلم"أبو مسعود الدمشقي في كتابه"أطراف الصحيحين"، ومن العلماء الذين انتقدوا أيضًا أبو علي الحسين محمد الغَسَّاني، وقد ذكرنا كتابه سابقًا وهو كتاب"تَقْيِيد المُهْمَل وتَمْيِيز المُشْكِل"عقد فيه فصلًا بالأحاديث المنتقدة في"صحيح مسلم"، أغلب هذه الأحاديث انتقادها من جهة الرواة عن مسلم لا من جهة مسلم أو ممن روى عنه مسلم.

هناك حديث واحد نورده في هذا السياق أخرجه مسلم وأورده ابن الجوزي في"الموضوعات"، وكان هذا سبب لانتقاد ابن الجوزي نقدًا شديدًا لازعًا؛ حيث إن الحديث صحيح وفي ثاني أصح كتاب بعد كتب الله، ومع ذلك أورده ابن الجوزي في"الموضوعات"!.

هذا الحديث هو في الحقيقة ليس الخطأ فيه فقط من ابن الجوزي، بل سبقه إلى ذلك والذي اعتمد عليه في الحكم بالوضع هو ابن حبان، هو حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللهِ وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ.

يعني يشير بذلك إلى الشُّرَط. هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتابه برقم [1544] وأورده الإمام مسلم في الصحيح.

سبب خطأ ابن الجوزي: أن هذا الحديث أورده ابن حبان في ترجمة راوٍ اسمه أفلح بن سعيد، وأفلح بن سعيد هذا بالفعل ضعيف، ثم لما أورده ابن حبان في ترجمة أفلح بن سعيد قال عقب الحديث: وهذا خبر بهذا اللفظ باطل، وأفلح كان يروي عن ثقات الموضوعات ولا يحل الاحتجاج به.

ولكن لم ينتبه ابن حبان ولا ابن الجوزي: أن لهذا الحديث طرقًا أخرى بنفس هذا اللفظ صحيحة، وهي التي أخرجها مسلم في صحيحه، ليس فيها علة هذا الراوي، ولذلك هذا الحديث تعقبه الحافظ ابن حجر في كتابه"القول المسدَّد"؛ لأن هذا الحديث أخرجه مسلم والإمام أحمد، و"القول المسدد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت