المقصود: أن البخاري اشترط القبول، سواء كان حسنًا أو صحيحًا، ولا شك أنه اشترط أعلى القبول ولذلك أعلى شرطه هو أن يكون هذا الحديث في قمة الأحاديث المقبولة، ولذلك أكثر وغالب أحاديث"الصحيح"هي من رواية تَامِّي الضبط، يقل فيها جدًّا أن تجد رواية خفيف الضبط في أصول الأبواب، لكن يوجد؟ نعم يوجد، قليل؛ لأنه الإمام البخاري شرطه أن يُخرج الأحاديث المقبولة الصالحة للاحتجاج، فإن وجدها في أعلى المراتب كانت هذه أعلى شرط، إن لم يجد في الباب إلا هذا الحديث الذي هو مقبول - ولو في المرتبة الدنيا من القبول - أخرجه في كتابه، وخاصة إذا تذكرنا ما قررناه في السنة الماضية: أن أول من اصطلح - وهذه المرحلة هي القسم الأوسط - هو الإمام الترمذي، فكل من سبقه ما كانوا يستخدمون الحسن بالمعنى الاصطلاحي ولا كان عندهم الحديث المقبول ينقسم إلى صحيح وحسن، فليس هناك داعٍ عنده إلى أنه ما يُخرج إلا فقط ما يسميه برواية تام الضبط، لأنه ما عنده مسمى لخفيف الضبط، كل عنده في فقه حديث الصحيح، وإن كان البخاري كما قلنا يحرص أن يُخرج أصح الصحيح، فاتفق مع ذلك أن يكون أصح الصحيح من رواية تام الضبط غالبًا، تام الضبط سيكون أتقن لروايته من خفيف الضبط، ولذلك وافق أن تكون أغلب أحاديث صحيح البخاري هي من رواية من كان عدلًا تام الضبط.
من القضايا المهمة المتعلِّقة بشرط البخاري في الرواة - وقد يُعترض على البخاري بها - روايته عن أهل البدع؛ لآن من المعروف أن البدعة تعارض شرط العدالة، وأن البدعة ربما قدحت في عدالة الراوي؛ أقول: ربما؛ لأن البدعة قد لا تقدح في عدالة الراوي على الصحيح، فيما لو كان الراوي مُتَأَوِّلًا، إذا كان الراوي مُتَأَوِّلًا فإن البدعة؛ مع تحذيرنا منها، مع تحذيرنا من صاحبها، مع بيان خطرها، إلا أننا لا نتهم هذا الراوي بالفسق، وبعدم العدالة إلا إذا عرفنا أنه غير مُتَأوِّل، إذا قامت عندنا قرائن تدل - أو أَيْقَنَّا أو غلب على ظننا - أنه غير متأول، أي أنه يرتكب هذه البدعة وهو على عِلم بمخالفتها لنصوص الكتاب والسنة؛ هذا الذي يُفَسَّق، ولذلك تساهل العلماء ومنهم الإمام البخاري في الرواية عن بعض أهل البدع، لأن الراجح أن أهل البدع لا يُطلق القول برد روايتهم ولا بقبول روايتهم، وإنما هناك تفصيل في قبول روايتهم.
وهذا التفصيل ينبني على شروط ثلاث أساسية وهي:
الشرط الأول: أن لا يكون الراوي مُكَفَّرًا في بدعته.
الشرط الثاني: وأن لا يكون معاندًا، يعني أن يكون متأولًا فلا يكون معاندًا.