وإذا اختار تأخير القضاء حتى دخل شهر رمضان من العام التالي وهو قادر على قضاء ما فاته ولم يقضه، فالواجب عليه إطعام مد عن كل يوم فاته قضاؤه. وهذا ما تفق عليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، ولم يوجب أبو حنيفة عليه إطعاما.
أما إذا لازمه المرض ولم يرج له شفاء منه، بمعنى أن مشقة الصوم لا تنفك عنه في المستقبل وصاحبه العجز أو الإجهاد، فقد اختلف الفقهاء في إلزامه فدية عن الصوم؟
رأى أبو حنيفة وأحمد أن عليه فدية إطعام مسكين عن كل يوم أفطر فيه. وذهب مالك إلى أن الفدية غير واجبة واختلف النقل عنه في استحبابها, وكذلك اختلف قول الشافعي والأصح وجوبها [1] .
الخلق المحكم:
إن القسم الأول أعلاه قد تتبعت فيه أحكام الصيام بالنسبة للمرضى بصفة عامة مع ملاحظة الاقتراب من الموضوع الأصلي.
وفي هذا القسم الثاني سوف أتعرض للتطبيقات الفقهية الكاشفة عن أحكام صيام المصابين بمرض السكري.
وأبني كلامي هذا على مقدمة تبين خاصية هذا المرض وأنواعه واختلاف درجاته حسبمااستفدته من كلام علماء الطب والتغذية عن هذا المرض الآخذ في الانتشار بين البشر. و ليس إدراك انتشاره ناتجا عن التوسع في العناية الطبية بالإنسان والكشف عن الاختلالات التي يصاب بها، بل يقرر الأخصائيون أن لتغير أنماط الحياة والتغذية الدور الكبير في ذلك.
والتعرف على هذا المرض يثير أمرا هاما نذكر به لما يترتب عليه من تقوية للإيمان في قلوب وعقول المستبصرين. كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [2] .
لقد تأكد على أنه حقيقة علمية استندت إلى التجارب المتكررة، أن الله قد أحسن خَْلق كل جزء من أجزاء الإنسان، وأنه أودع فيه من الأسرار ما ينادي بأنه مستند إلى العليم الحكيم الذي لا تخفى عليه خافية، وأن كل جزء وكل جهاز ليس معزولا عن بقية الأجزاء والأجهزة، ولكنه مرتبط بها في نظام شامل كأدق ما يكون
(1) ... إكمال الإكمال ج 3259/ 262؛ المجموع شرح المهذب ج 6 ص 257/ 260؛ المغني ج 4 ص 393/ 396.
(2) ... فصلت: 53.