و ينبغي أن يلاحظ الفرق الدقيق بين المسافر والمريض فإن السفر اعتبرت فيه المظنة وهو السفر الطويل حيث لم يكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإن قليل المشقة لا يبيح وكثيرها لا ضابط له في نفسه فاعتبرت بمظنتها فدار الحكم معها وجودًا وعدما.
والمرض لا ضابط له، فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصوم، و منها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس و جرح الإصبع والدمل والجرب وأشباه ذلك (ومنها ما ينفعه الصوم كاستطلاق البطن ونحوه) فلم يصلح المرض ضابطا وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره بذلك.
فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة. [1]
و يقول الإمام أبو بكر ابن العربي:"للمريض ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبًا."
الثاني: أن يقدر على الصوم بضرر و مشقة فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل.
الثالث: ما روي أبو حسان صهيب بن سليم قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول:"اعتللت بنيسا بور علة خفيفة - وذلك في شهر رمضان - فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت نعم. فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة."
قلت أنبأ عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيْضًا} قال البخاري: لم يكن هذا الحديث عند إسحاق. [2]
يقول العلامة التهانوي: قلت: معنى قول عطاء:"من أي مرض كان"أن الرخصة لا تختص بمرض دون مرض بل هي تعم الأمراض كلها ولا نزاع فيه وليس معناه كونها مطلقة عن قيد التضرر بالصوم، ألا ترى أن الله تعالى قال بعد ذلك: {يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} فبين أن مبني الرخصة على إزالة العسر، ولا يخفى أن بعض الأمراض لا يتعسر فيه الصوم فلا تشمله الرخصة.
و لو كان عطاء قد ذهب إلى ما فهمه البخاري من قوله فهو مما قد هجره الفقهاء قاطبة.
(1) المغني 3/ 16 - 17.
(2) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 33 باختصار.