ذهب بعض المالكية إلى أن إخراج الزيادة عن الصاع بدعة مطلقا [الشرح الكبير للدردير (1/ 508) ] ، والتحقيق أن إخراج أكثر من الصاع في الفطرة لا يخلو من حالين:
-أن يقصد التطوع بالزيادة فهذا جائز، بل مستحب، إذ هي ضرب من الصدقة.
-أن يقصد أن الزيادة من الفطرة فهذا غير جائز، بدعة محدثة، وفي الصحيح مرفوعا:"كل بدعة ضلالة".
مسـ (12) ـألة:مصرفها:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:أنها تدفع للأصناف الثمانية الذين تدفع لهم زكاة المال، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
[انظر: المجموع للنووي (6/ 185) ، المغني (4/ 314) ، المحلى لابن حزم (6/ 143) ] .
استدلوا بما يلي:
1 -قوله تعالى:) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(.
وجه لاستدلال بالآية: من قوله:"الصدقات"، فهذا جمع محلى بـ أل الجنسية، والقاعدة في الأصول: [أن أل الجنسية تفيد عموم مدخولها] ، وعليه فالآية تشمل صدقة الفطر.
وأجيب: بأن أل في الآية للعهد، والمراد صدقة الأموال، والدليل على ذلك سياق الآيات فقبلها قوله تعالى:) وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (، وهي هنا صدقات الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين.
[انظر: مجموع الفتاوى (25/ 76) ] .
ونوقش: بأن الأصل أن أل للعموم وحملها على العهد على خلاف الظاهر، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالألفاظ على ظاهرها ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل] ، وما ذكر من السياق لا يقوى على صرف الظاهر، إذ لا تعارض بينهما، فلا مانع من حمل الآية على العموم.
2 -ما أخرجه أبو داود في السنن (1630) عن زياد بن الحارث الصُدائي قال: أتيت رسول الله r فبايعته، فذكر حديثا طويلا قال:فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله r:"إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".
وجه الاستدلال: يقال فيه مثل ما قيل في الآية.
وأجيب عنه: بأنه حديث ضعيف في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف، سيء الحفظ [تهذيب التهذيب (2/ 506) ] ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره] .
3 -القياس: أن صدقة الفطر زكاة فأشبهت زكاة المال.
وأجيب عنه: بأنه قياس شبه، والقاعدة في الأصول: [أن قياس الشبه ليس بحجة في إثبات الأحكام] .
القول الثاني: أنها تدفع للفقراء والمساكين دون غيرهم، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية.
[انظر: المبسوط للسرخسي (3/ 107) ، مواهب الجليل للحطاب (3/ 272) ] .
1 -ما أخرجه أبو داود (1609) وابن ماجه (1827) عن ابن عباس، قال:"فرض رسول الله r زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات".
وجه الاستدلال بالحديث: من قوله:"فرض ... طعمة للمساكين"، فالنبي r فرض إخراجها للمساكين، والقاعدة في الأصول: [أن لفظ الفرض يفيد الوجوب] ، وهذا الحديث خاص والآية عامة، والقاعدة في الأصول: [إذا تعارض العام والخاص قدم الخاص] .
وأجيب: بأن الحديث لا ينفي دفعها لغير المساكين، والقاعدة في الأصول: [أن ورود الخاص بحكم لا يخالف العام لا يقتضي التخصيص] .
وفيه بحث تخصيص العام بالمفهوم اللقبي، والقاعدة في الأصول على الصحيح: [لا يجوز تخصيص العام بالمفهوم اللقبي] .
2 -ما أخرجه ابن عدي في الكامل (7/ 55) ، والدارقطني في السنن (2/ 152) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول r قال:"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم".
وجه الاستدلال بالحديث: من قوله:"أغنوهم"، والضمير في قوله أغنوهم يعود إلى الفقراء، فهذا أمر منه r بدفعها إلى الفقراء، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب] ، فيجب دفها لهم ليتحقق الامتثال.
وأجيب: بأن هذا الحديث ضعيف في إسناده أبو معشر سيء الحفظ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره] ، وعلى فرض ثبوته فإن غاية ما فيه أنه يجب دفعها للفقراء، وهذا لا ينفي جواز دفعها لغيرهم على ما تقدم في الجواب عن حديث ابن عباس t.
الترجيح:
تبين لي بعد عرض الأقوال في المسألة، وأدلة كل قول، أن الراجح في المسألة القول الأول، وذلك لسلامة بعض أدلته من المناقشة، وعدم سلامة أدلة الأقوال الأخرى.
كتبه / جلال بن علي حمدان السلمي
مكة المكرمة
19/ 9 / 1431 هـ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)