أما الجواب عن الفقرة ثانيا فيقال فيه: ليس في حديث ابن عمر t ذكر لسائر الأصناف التي قالوا بجوازها بل غاية ما فيه وجوب إخراج التمر أو الشعير فقط.
أما القياس الذي استندوا إليه فيجاب عنه من وجوه:
-أنه قياس بعلة غير منصوصة، والقاعدة في الأصول على الصحيح: [أن القياس بالعلة غير المنصوصة ليس بحجة في إثبات الأحكام] .
-أنه قياس شبه، والقاعدة في الأصول على الصحيح: [أن قياس الشبه ليس بحجة في إثبات الأحكام] .
تنبيه: لا دليل للحنابلة في القول بجواز إخراج غير المنصوص عند تعذر المنصوص، والأدلة التي استدلوا بها على عدم جواز إخراج غير المنصوص مع التمكن ترد عليهم في هذه الحال.
القول الخامس: يجب إخراجها من التمر أو الشعير، ولا يجوز إخراجها من غيرهما، وهذا مذهب الظاهرية.
[انظر: المحلى لابن حزم (6/ 118) ] .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
-بما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر t ، قال:"أمر رسول الله r بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير".
وجه الاستدلال بالحديث من قوله:"أمر"، فهذا أمر من النبي r بإخراج صاع من تمر أو صاع من شعير، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب] ، وعليه فيجب في الفطرة إخراج صاع من تمر أو صاع من شعير على التخيير (واجب مخير) ، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده] ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم] ، والقاعدة في الأصول: [أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه] ، وعليه فيحرم إخراج غير التمر والشعير ولا يجزئ.
وفي البخاري (1511) عن نافع رحمه الله قال:"كان ابن عمر t يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيرا".
مناقشة أدلة الظاهرية:
أجيب عن الاستدلال بحديث ابن عمر t بأن حديث أبي سعيد الخدري t جاء عند النسائي (2511) في السنن بلفظ:"فرض رسول الله r صدقة الفطر صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط"، وهذا يدل على عدم الاقتصار على التمر والشعير.
ورد من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث ليس بثابت في إسناده: الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب الدوسي، وهو ضعيف،والقاعدة في الأصول: [أن ضعف الراوي يقتضي رد خبره] .
الثاني: أنه ليس فيه إلا الأقط لا سائر ما يجيزون.
[لنظر: المحلى لابن حزم (6/ 120) ] .
ونوقش الرد: بأن الحارث بن عبد الرحمن ثقة، قال أبو زرعة: ليس به بأس، [انظر: تهذيب التهذيب (1/ 333) ] ، وهذا ضرب من التوثيق، قال السخاوي في فتح المغيث (1/ 341) :"ونحوه قول أبي زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم - يعني الذي كان في أهل الشام كأبي حاتم في أهل المشرق - ما تقول في علي بن حوشب الفزاري، قال لا بأس به، قال: فقلت، ولم لا تقول ثقة، ولا نعلم إلا خيرًا، قال: قد قلت لك إنه ثقة".
وأما قول أبي حاتم: يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي [تهذيب التهذيب (1/ 333) ] فإنه ليس بقادح في روايته، لأن الحمل في الأحاديث المنكرة قد يكون على الدراوردي، ثم إن أبا حاتم لم يبين وجه النكارة، وعليه فهو من الجرح غير المفسر، والقاعدة في الأصول: [أن التعديل مقدم على الجرح غير المفسر عند التعارض] ، وقوله ليس بالقوي ليس من الجرح كما قرره غير واحد من أهل الحديث، قال الذهبي رحمه الله في الموقظة (ص 82) :"وقد قيل في جَمَاعاتٍ: ليس بالقويِّ، واحتُجَّ به. وهذا النَّسائيُّ قد قال في عِدَّةٍ: ليس بالقويّ، ويُخرِجُ لهم في (( كتابه ) )، قال: قولُنا: (ليس بالقوي) ليس بجَرْحٍ مُفْسِد ... وبالاستقراءِ إذا قال أبو حاتم: (ليس بالقوي) ، يُريد بها: أنَّ هذا الشيخ لم يَبلُغ درَجَة القويِّ الثَّبْت".
قلت: وعليه فيشرع إخراج الأقط في زكاة الفطر، لورود الأمر به في هذا الخبر.
(فائدة حديثية)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)