من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا )) رواه مسلم (6804) ، ومن القصص الجميلة في المحافظة على صلاة الجماعة أن شيخًا فاضلًا له تسع بنات وابن واحد، سمعته يقول في درسه: (( أحب أن يكون وحيدي محافظًا على صلاة الجماعة، ولو كان تحصيل رزقه بمشقة كبيرة، كالذين يصعدون باللبن على ظهورهم إلى الأدوار العالية في العمارات الشاهقة، وإذا سمع الأذان ترك العمل، وبادر بالذهاب إلى المسجد ) )، وكان اللبن يصعدن به إلى العمارات هكذا قبل أن تأتي الآلات الرافعة، وقصة أخرى أخبرت بها عن شخص من العوام أعرفه توفي قبل ربع قرن رحمه الله كان منزله بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء، وكان محافظًا على الصلاة في المسجد، وفي يوم من الأيام غلبه النوم فلم يقم لصلاة الفجر إلا بعد انتهاء صلاة الجماعة فحزن حزنًا شديدًا وتألم ألمًا عظيمًا، فرأى أن يعوض عن ذلك بأن ذهب على رجليه إلى المسجد النبوي، وبقي فيه من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، وفي الكتاب الذي ترجم فيه الشيخ عبد الملك ابن محمد بن قاسم لأبيه رحمه الله قوله (ص 261) : (( ولا أذكر يومًا فاتته صلاة الجماعة إلا مرة واحدة، كان نائمًا القيلولة فأُذن لصلاة العصر وحسب أهل البيت أنه خرج للمسجد كالعادة، فما علموا إلا وهو يقوم من نومه بعد انتهاء الصلاة معاتبًا من حوله على عدم إيقاظهم له، وعلاه من الحزن وسواد الوجه ما الله به عليم، كل ذلك حرصًا منه رحمه الله على صلاة الجماعة، والعجيب أنه لما توفي قريب له وكان تقيًا ورعًا يحبه الوالد كثيرًا ما رأينا ذلك السواد في وجهه كيوم فاتته صلاة الجماعة، فهل يعي المتهاون بصلاة الجماعة ولربما كان جارًا للمسجد ذلك؟! وهذه القصة تذكرنا بما جرى لحاتم الأصم عندما قال: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا! ) )
(8) : وجاء فيها: (( وزيادة إن أثقل الصلاة على المنافقين ... ) )وإن كان الشيخان أخرجاها في صحيحيهما إلا أن في النفس منها شيئًا )) ! و (( حديث الأعمى وابن أم مكتوم رُويا عن عدة طرق لم يثبت منها شيء بإسناد صحيح ولا حسن ) )!
أقول: من أنت حتى يكون في نفسك شيء من حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؟! وواجب المسلم إذا صح الحديث أن يستسلم وينقاد له ولا يكون في نفسه منه شيء، كما قال الله عز وجل: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) .
وأما ما ذكره عن حديث الأعمى وابن أم مكتوم فقد ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم أن الأعمى في حديث مسلم هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسَّرًا عند أبي داود وغيره، وقد مر قريبًا إيراد الحديث من صحيح مسلم وسنن أبي داود، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه وكثر احتجاج أهل العلم به على وجوب صلاة الجماعة فكيف يقول الكاتب عنه إنه لم يثبت بإسناد صحيح ولا حسن مع أنه في صحيح مسلم؟! ولو لم يخرجه في صحيحه وخرَّجه غيره وفي الإسناد عبيد الله بن الأصم الذي يُقبل حديثه إذا توبع فإنه يؤيده حديث ابن أم مكتوم في سنن أبي داود المتقدم ورجاله ثقات إلا عاصم بن بهدلة وأقل أحوال حديثه الحُسن فيكون مع الحديث الآخر صحيحًا لغيره، وقد ذكرني ما قاله هذا الكاتب هنا بكلام سمعته من شيخ فاضل من كبار العلماء شفاه الله قال: (( إن ولدًا صغيرًا عمره خمس عشرة سنه قال عن حديث صحيح: هذا الحديث لم يصح عندي ) )!! مع أن هذا الكاتب لم يعرفه المشتغلون بالعلم إلا بعد نشر هذيانه في تأييد اختلاط الجنسين وفي التثبيط عن صلاة الجماعة واحتفاء الصحف به وبهذيانه، وهذا الكاتب إن لم يدركه من الله هداية وتوفيق أو يتداركه ولاة الأمر بردع ومنع لقول عثمان رضي الله عنه: (( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) )يُخشى أن يسطو على أحاديث الصحيحين فيخبط فيها كعادته خبط عشواء ويضعِّف بجهل وقلة حياء ما
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)