فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 55050 من 67893

ولا ريب أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة، قد تكفل الله بحفظها من عبث العابثين وتحريف الجاهلين، ولهذا فقد حرص سلفنا الصالح على تدوين الحديث والسنة من عصر النبوة واعتمدوا في نقلها على الإسناد، ولهذا قال ابن المبارك"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

فمن رام الطعن في الأسانيد والرواة بدون برهان، بل لمجرد الهوى والتخمين فقد رام الطعن في الدين.

وكان بإمكان الكاتبة، إذا أرادت نصر رأيها في هذه المسألة أن تكتفي بعرض رأيها، دون المساس بالدين والطعن في الأسانيد الصحيحة والروايات الثابتة المتفق عليها، ولو أنها اكتفت بالطعن في صحة رواية واحدة لهان الخطب، لكن صنيعها في الكلام على الرواة ينعطف على سائر الروايات، لأنها إذا طعنت في مثل هشام بن عروة، وحماد بن أسامة والثوري وأمثالهم، فإنها تطعن في مئات بل ألوف من الأسانيد المروية عن طريقهم.

وإذا سلمنا بالطعن في أمثال هؤلاء الثقات الأثبات، فلن يبقى لدينا إلا أفراد قليلون من رجال الحديث ممن لم يذكر في تراجمهم أي كلمة أو هنة، فيسقط الاعتماد على السنة أو أكثرها.

وإني أجزم بأن الكاتبة لم تقصد الطعن في أكثر السنة، لكن صنيعها يؤدي إلى ذلك.

وأحب أن أنبه الكاتبةً، ومن على شاكلتها من الجهلة الذين اغتروا ببعض ما عندهم من ثقافة، وربما قلدوا غيرهم ممن يحسبونهم على الهدى من أهل الهوى، وما أكثرهم في زماننا هذا، أحب أن أنبه هؤلاء إلى أن عبارات الجرح والتعديل المذكورة في كتب الرجال، كالتهذيب والميزان وغيرها، لا يفهمها إلا أهل الاختصاص، وهم أهل الحديث وعلماء السنة، وبعض العبارات قد يظن أنها من الجرح وليست كذلك، كالتدليس مثلًا فإنه ليس جرحًا على إطلاقه، بل له أحكام وشروط وهو أنواع وأقسام، فليس كل من وصف به يرد حديثه كما يظنه الجاهل بهذا العلم. وقل مثل ذلك في سائر العبارات التي قد يفهمها الجاهل على غير وجهها.

وأنبه كذلك إلى مسألة أخرى، وهي أن المصنفات الحديثية درجات، وليست في الصحة والقبول بمنزلة واحدة، وأعلاها صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، ثم تأتي بعد ذلك بقية الصحاح والسنن المشهورة ومسند الإمام أحمد وغيرها.

وأما كتب التأريخ والسير والمغازي فهي أدنى درجة في الصحة من ذلك بكثير. فلو فرض أن هناك اختلافًا بين ما ذكر في كتب الصحاح والسنن، وبين ما ذكر في كتب التأريخ، فإننا نقدم الأولى على الأخرى، لا العكس.

بقيت مسائل في مقال الكاتبة، وهي القرائن التي زعمت أنها ترد على حديث عائشة المتفق عليه

الأولى: أن أم المؤمنين عائشة كانت مخطوبة قبل زواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم لجبير بن مطعم وقد رجحت الكاتبة أن هذه الخطبة كانت قبل البعثة، بكلام إنشائي ليس فيه أي علم يستفاد أو سند يستند عليه إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.

وجوابي على هذه الشبهة التالفة: هو أن كونها قد خطبت لجبير بن مطعم، ليس فيه ما يدل على سنها.

قال ابن عبدالبر في الاستيعاب [بهامش الإصابة 4/ 346] "وكانت تذكر لجبير بن مطعم وتسمى له"اهـ.

وقال ابن حجر في الإصابة [4/ 348] معلقًا على هذا القول"أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بسند فيه الكلبي، وأخرجه أيضًا عن ابن نمير عن الأجلح عن ابن أبي مليكة قال: قال أبو بكر: كنت أعطيتها مطعمًا لابنه جبير، فدعني حتى اسألها منهم فاستلبتها"اهـ.

قلت: هكذا ورد في الإصابة، وقد نظرت في طبقات ابن سعد [8/ 58] فوجدت الرواية الأولى هكذا: قال ابن سعد: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق عائشة فقال أبو بكر: يا رسول الله قد كنت وعدت بها، أو ذكرتها، لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبدمناف لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم، ففعل، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بكرًا"اهـ."

وهذا الإسناد كما ترى، ظاهر الضعف، ولهذا أشار ابن حجر إليه بقوله"بسند فيه الكلبي".

والكلبي هو: محمد بن السائب، قال عنه الحافظ في التقريب [5901] "متهم بالكذب، ورمي بالرفض".

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت