ومن معنى الآية: لو شاء الله جعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار .. وإِذَنْ لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر؛ بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل، ولكانوا في الرّوح كالملائكة؛ مفطورين على اعتقاد الحقِّ والطاعة؛ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع. ولكنّ الله خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين. عاملين بالاختيار، وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض؛ لا مجبورين ولا مضطرين. وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار.
أما قوله تعالى: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:119) .
فلتعلموا أن اللام ليست للغاية؛ فليس المُراد أنه سبحانه خلقهم ليختلفوا، إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته. وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم، وثمرته أن يكونوا فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير.
وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر، أي خلقهم ليستعدَّ كلٌ منهم لشأنٍ وعمل، ويختار بطبعه أمرًا وصنعة، مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم ويستقيم به أمر المعاش، فالناس محامل لأمر الله، ويتخذ بعضهم يعضًا سخريًا.
خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم، ومن ذلك الإيمان، والطاعة والمعصية.
وضوح الحق وجلاؤه
وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس؛ في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف، إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ، وجعل على الصراط المستقيم منائرَ .. وعليه حُمِلَ الاستثناء في الآية في قوله: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} (هود:119) .
وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} (البقرة:213) .
وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها، وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه؛ بل إنّ في فطرتها ما يهديها، وتأمَّل ذلك في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم:30) .
ومنه الحديث النبوي: (( ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهوّدانه، ويُنَصِّرانه، ويُمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها؟ ) ).
ويُوضح ذلك، أن أصول الدين، وأمَّهات الفضائل، وأمَّهات الرذائل، مما يتفق العالم الرشيد العاقل على حُسْن محموده وحمده، والاعتراف بعظيم نفعه، وتقبيح سيِّئه وذمِّه. كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة، ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفًا ولا تأويلًا ولا جدلًا ولا مراءًا. وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها كل ما جاء فيه من أحكام، ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها، وحَذَّر من التلاعب بها، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات بتعسف التأويلات والمُسوِّغات، مما سنذكره كأصل من أصول الحوار، ورفع الحرج عنهم، بل جعل للمخطيء أجرًا وللمصيب أجرين تشجيعًا للنظر والتأمل، وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة للأفراد والجماعات. ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة.
مواطن الاتفاق
إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم. ويصير به الحوار هادئًا وهادفًا.
الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقًا من التلاقي والقبول والإقبال، مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب، كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد.
والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف وموارد النزاع، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقًا وأمده قصيرًا، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب وتشويش الخواطر، ويحمل كل طرف على التحفُّز في الرد على صاحبه مُتتبِّعًا لثغراته وزَلاته، ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها، ومن ثم يتنافسون في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)