وأما ما رواه عبدالله بن أحمد في"السنة""ص 151"عن عكرمة قال: (خلقت الملائكة من نور العزة , وخلق إبليس من نار العزة) , وعن عبدالله بن عمرو قال: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر) .
قلت: فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها , لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لا نبوة ولا وحي بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
473 - (كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة) .
والحديث نص في أنه لا نبوة ولا وحي بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة , وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
ولقد ضلت طائفة زعمت بقاء النبوة واستمرارها بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتأولوا - بل عطلوا - معنى هذا الحديث ونحوه مما في الباب , وكذلك حرفوا قول الله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب40 , بمثل قولهم: أي زينة النبيين , وتارة يقولون: هو آخر الأنبياء المشرعين , ويقولون ببقاء النبوة غير التشريعية.
ومن المؤسف أن أحدهم كان استخرج كلمات الشيخ محيي الدين بن عربي (النكرة) الدالة على بقاء هذه النبوة المزعومة من كتابه"الفتوحات المكية"في كراس نشر على الناس , ثم لم يستطيع أحد من المشايخ أن يرد عليهم , وكانوا من قبل قد ألفوا بعض الرسائل في الرد عليهم , وإنما أمسكوا عن الرد على هذا الكراس , لأن من مكر جامعه أنه لم يضع فيه من عند نفسه شيئًا سوى أنه ذكر فيه كلمات الشيخ المؤيدة لضلالهم في زعمهم المذكور , فلو ردوا عليه , لكان الرد متوجهًا إلى الشيخ الأكبر وذلك مما لا يجرؤ أحد منهم عليه , هذا إن لم يروه زندقة , فكأنهم يعتقدون أن الباطل إنما هو باعتبار المحل , فإذا قام فيمن يعتقدونه كافرًا , فهو باطل , وأما إذا قام فيمن يعتقدونه مسلمًا - بل وليًا فهو حق , والله المستعان.
فيما جاء في النذر
478 - (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْتِينِي عَلَى الْبُخْلِ , وفي رواية: ما لم يكن آتاني من قبل) .
أخرجه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (فذكره) .
قلت وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين , وقد أخرجاه في"صحيحهما", وأبو داود , وغيرهم من طرق أخرى عن أبي الزناد به , إلا أنهم لم يجعلوه حديثًا قدسيًا , وقد ذكرت لفظه ومن خرجه وطرقه في"إرواء الغليل".
ورواه النسائي من طريق أخرى عن سفيان به مختصرًا.
وتابعه همام بن منبه عن أبي هريرة به.
أخرجه ابن الجارود , وأحمد بإسناد صحيح على شرطيهما , ولم يخرجاه من هذا الطريق , ولا بلفظ الحديث القدسي.
وللحديث طريق ثالث بلفظ: (لَا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) , أخرجه مسلم , وصححه الترمذي.
وقد دل هذا الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده , بل هو مكروه , وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام , وقد قال به قوم , إلا أن قوله تعالى: (أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) : يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاص بنذر المجازاة أو المعاوضة , دون نذر الابتداء والتبرر , فهو قربة محضة , لأن للناذر فيه غرضًا صحيحًا , وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب , وهو فوق ثواب التطوع , وهذا النذر هو المراد - والله أعلم - بقوله تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) الإنسان 7 , دون الأول.
قال الحافظ في الفتح: (وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى(يوفون بالنذر) قال كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا , وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)