و ينبغي أن يعلم أن المكلف لا يخرج من كفر الإعراض - المستلزم لعدم إقراره - بفعل أي خصلة من خصال البر، وشعب الإيمان، فإن من هذه الخصال ما يشترك الناس في فعله - كافرهم و مؤمنهم - كإماطة الأذى عن الطريق، وبر الوالدين، و أداء الأمانة.و إنما يتحقق عدم هذا الإعراض، و السلامة منه بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شرعية الإسلام التي جاء بها الرسول صلى الله عليه و سلم - كالصلاة و الزكاة و الصيام و الحج - إذا فعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا، قال شيخ الإسلام بن تيمية (فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله و رسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه و سلم) من"مجموع الفتاوى" (7/ 621) .
ملاحظة: هكذا وردت العبارة في"الفتاوى"، و لعل المناسب للسياق (مع عدم فعل شيء) .
2 -أن يضع الوالي قانونًا يتضمن أحكامًا تناقض أحكام قطعية من أحكام الشريعة معلومة من دين الإسلام بالضرورة، و يفرض الحكم به، و التحاكم إليه، ويعاقب من حَكَمَ بحكم الشريعة المخالف له، و يدعي مع ذلك الإقرار بوجوب الحكم بالشريعة - شريعة الإسلام - التي هي حكم الله و رسوله.
و من ذلك هذه الأحكام الطاغوتية المضادة لحكم الله و رسوله:
أ) الحكم بحرية الاعتقاد فلا يقتل المرتد، ولا يستتاب.
ب) حرية السلوك، فلا يجبر أحد على فعل الصلاة، و لا الصيام، و لا يعاقب على ترك ذلك.
ج) تبديل حد السرقة - الذي هو قطع اليد - بالتعزير و الغرامة.
د) منع عقوبة الزانيين بتراضيهما إلا لحق الزوج أو نحو ذلك مما يتضمن إباحة الزنا و تعطيل حدِّه من الجلد و الرجم.
هـ) الإذن بصناعة الخمر، و المتاجرة فيه، و منع عقوبة شاربه.
3 -تولي الكفار من اليهود و النصارى، و المشركين، بمناصرتهم على المسلمين، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة: 51.
4 -أن يترك المسلم الصلاة دائمًا بحيث لا يصلى إلا مجاملة للناس إذا كان بينهم، و لو بغير طهارة، فإن ترك الصلاة على هذا الوجه لا يصدر ممن يقر بوجوبها في الباطن، فكفر بترك الإصرار بوجوب الصلاة؛ لا بمطلق ترك الصلاة الذي اختلف فيه أهل السنة، و لهذا يجب أن يفرق بين هذا و بين من يصلي لكنه لا يحافظ عليها فيتركها أحيانًا و يقص في واجباتها، كما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن و لم يضيع من حقهن شيئًا - استخفافًا بحقهن - كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، و من لم يأت بهن جاء و ليس عنده له عند الله عهد، إن شاء عذبه، و إنشاء أدخله الجنة) .
قال شيخ الإسلام بن تيمية في"مجموع الفتاوى" (22/ 49) :
(فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، و يموت على هذا لا إصرار، والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، و يتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، و هؤلاء تحت الوعيد، و هم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت .... - و ذكر الحديث - فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، و الذي يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، و قد يكون لهذا نوافل يكمل بعها فرائضه كما جاء في الحديث) .و قال - رحمه الله - في الأمراء الذين أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها كما في"مجموع الفتاوى 22/ 61" (و إن قيل - و هو الصحيح - أنهم كانوا يفوتونها فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم الأمة بالصلاة في الوقت، و قال: أجعلوا صلاتكم معهم نافلة، و نهى عن قتالهم .. و مؤخرها عن وقتها فاسق و الأمة لا يقاتلون بمجرد الفسق .. و هؤلاء الأئمة فساق و قد أمر بفعلها خلفهم نافلة) اهـ بتصرف.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)