فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 74

بل كان ما أعرب عنه من أفعال المدح من باب كان، حيث لم يزد على أن قال له: والله ما كان في ظن الفقير، أنكم تحررونه مثل هذا التحرير، وما هذا إلا كلام صحيح، وما ذلك منك يا مفتي إلا فهم مليح، ثم تحول الكلام من مقام إلى مقام، فجرى في المجلس ذكر شخص ينتسب إلى العلم في دمشق الشام، فبالغ مولانا الشيخ في الثناء عليه، وأسند إليه من الفضل ما يكثر على أمثاله إسناده إليه، فقلنا له: والله يا مولانا لقد أستسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم، فعند ذلك أنشدنا قصيدة قال أن المذكور بهذه القصيدة أمتدحه، فألفيناها عن بلاغة زائدة مفصحة. فقلنا: والله يا مولانا لقد حملتم المذكور حملا فوق ما يطيق، وأن كنتم بنيتم فضله على هذه القصيدة فهو بناء على خلاف التحقيق، فيمينًا بالبراعة وما نصعت، وبالبراعة وما صنعت، أنا قط لم نعهد المذكور يدعي شعرًا ولا يذكر، ولا نعرفه إلا يحدث من فيه ولا يشعر. فيا ضيعة الأدب، ومن أين هذا الإخاء والنسب؟ والحاصل يا مولانا أن سرقة هذه القصيدة ظاهرة، كالشمس في الشهرة والإنارة. ومثل هذه القصيدة لا تسرق إلا أن سرقت المنارة. وليت شعري، أين هذا من قول الشاعر:

وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس أن كيسا وأن حمقا

وأن أصدق بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا

على أن القرائن متوفرة على سرقتها: منها بلاغتها، وفصاحة ابياتها، ومنها اأن المذكور لم يعهد له قصيدة غيرها حتى تشفع بأخواتها. وقد قضينا يا مولانا العجب ممن له هذه الفصاحة الزائدة، كيف لم يتفق له في عمره إلا نظم هذه القصيدة الواحدة، وقد ذكرتنا هذه القضية قضية جرت بين ابن أبي حفصة وعلي ابن الجهم وهي قضية مشهورة، وعند أرباب الادب غير منكورة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت