كانت الوثنيات السياسية والاجتماعية والعقيدية تنخر في عظامها، وتنشر ضباب الحرافة في آفاقها ويعزلها عن قافلة العالم المائج بالاكتشافات الباهرة وتستهلك آخر ما تبقى لديها من مواريث الحضارة التى آلت إليها عن الأسلاف الصالحين. كانت الخلافة الإسلامية في ملكها العريض تسمى حكومة الرجل المريض، وكانت"أوروبا"تعد الساعات القلائل الباقية في أجل المحتضر الهالك، لتقتسم تركته، وتتوزع بينها ثروته. لم تكن مصائبنا إذن من اندحار عسكرى مفاجئ بل من مرض متغلغل قديم، ومن هنا هب المصلحون في بقاع شتى من الوطن الإسلامى الكبير يعالجون العلة الدفينة ويستنفذون عقيدة التوحيد من ضروب الوثنيات التى أوشكت على إتلافها، سياسية كانت أو مادية، ويحاولون بناء الحضارة الإسلامية على أصولها الأولى، من حرية العقل والضمير. وقد كان محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وحسن البنا- كان هؤلاء الأئمة الأبطال يحترقون دأبا في تعريف الجماهير الغافلة بالله وحده ويمسحون عن قلوبها الذليلة أرجاس العبودية للأوهام والأسماء. بيد أن الوثنية السياسية لاحقتهم بأذاها فقتل محمد على باشا دعوة ابن عبد الوهاب وقدم رجالها قرابين لسيده في"الآستانة"وقتل"فاروق"- حفيد محمد على- دعوة حسن البنا واغتال الرجل الكبير بعد ما أرسل وزراءه إليه يستدرجونه إلى مصرعه! وأمل الوثنية السياسية من وراء هذه المذابح أن تبقى على تألهها وسط قطعان من الخدم والسدنة والعبيد، لولا أن الله لم يخيب جهود المصلحين من عباده، فإن الزعماء القتلى لم يتركوا الحياة حتى خلفوا من ورائهم من يحمل اللواء، ومن يعاهد الله على تحطيم الأصنام ما بقى حيا. قرأت وصفا دقيقا للحال التى انحدر إليها المسلمون في ظل هذه الوثنيات الجائرة، ص _096