الأرض وهو يكاد يتهالك وحده! إنه يوشك أن يخر صريعا قبل أن تنوشه ضربة، أو تلقاه صدمة، فكيف إذا اعترضه خصم لدود يبغي له الأذى؟ إن الأمم كالأفراد في هذه الأحوال، وقدرتها على تحمل الهزائم المرة والآلام المبرحة ترجع قبل كل شيء إلى ما يستكن في أعصابهم من طاقة، وما يتدافع في كيانها من حياة. عندما انهزم المسلمون في معركة (أحد) لم تكن هزيمتهم ختام رسالة ومصرع إيمان، بل اعتبرت الهزيمة جرحا عارضا يجب أن يتحمله الأقوياء في غير ما ضجة! ونزل قول الله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) . وما لنا نطلع المسلمين اليوم على تاريخهم القديم؟ فلينظروا إلى"ألمانيا"في الغرب و"اليابان"في الشرق، كلتا الدولتين تلقت في الحرب الأخيرة ضربة هائلة، وتحملت في الأنفس والأموال خسائر طاحنة. ومع ذلك لم تمض أعوام قلائل حتى بدأ العمالقة يخرجون من خلال الأنقاض، وعلى شفاههم ابتسامة الرجولة والمصابرة، وعادوا يديرون مصانعهم ومدارسهم ويمدون حضارة العالم، بإنتاج كثيف، جعل الأعداء قبل الأصدقاء يخطبون ودهم ويقدرون صلحهم! لكن أمتنا الإسلامية أصيبت منذ قرن بسلسلة من الانكسارات العسكرية دوختها، وهدت قواها، ولا تزال حتى الآن تضطرب في عقابيلها، وتترنح مكانها. ذلك أن الداهية لم تأتها من انهزام حربى طارئ، بل من داء متغلغل سرت جراثيمه في دمها سريانا خبيثا، فلو لم تسقط أمام خصومها الذين يناوشونها لسقطت وحدها مغشيا عليها، كما يسقط المنهوك أو المحموم! ص _095