فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 251

وأشهد أن العقل الغربى أنظف جدا من الضمير الغربى، لقد اقتبس فأحسن، وقلد فأجاد، ثم أنمى وابتكر، واستكشف فبهر. وفتوحه في استخدام قوى الكون لا تقل عنها براعته في تنظيم شئون العمران. والمشدوهون لهذا التفوق لا ينتظر منهم غير التسليم لنتائجه، فلا جرم أنهم مولعون باتباعها، مغرون بالانقياد لها، وكما يمدون قضبان السكك الحديدية ويركبون عرباتها من مصاغ الغرب، ينقلون مناهج السياسة وأنظمة المجتمع وطرائق الحكم من تفكير الغرب أيضا. وأعان على ذلك، القصور الشائن الذى ران على الجبهة الإسلامية، فإن الرجال المتحدثين عن الإسلام في القرن الماضى، وحين اندلاع ثورات التحرر من أربعين عاما لم يكونوا على فهم يذكر بالكتاب والسنة، أهملوا خدمة الشريعة فهزمتها القوانين الموضوعة، وظل الإسلام يتقهقر في ميدان الحياة العامة، حتى كاد يقضى عليه بالموت. ولولا رجال قلائل من الملهمين الأحرار لدرست معالم الدين، نذكر منهم جمال الدين الأفغانى، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبى، وحسن البنا. وقد أسائل نفسى: لو أن جمال الدين عاصر مصطفى كمال في تركيا، أكانت نهضة القائد المنتصر تميل عن الإسلام هذا الميل؟ أو لو كان"محمد عبده"العالم الثائر أو حسن البنا المربي النابه، لو أن أحدهما صاحب الثورة الكبرى سنة 1919، أكانت تأخذ اتجاهها المدنى المحض مبتوتة الصلة بآلام الإسلام وآماله؟ إن القصور الشنيع في أفكار علماء الدين ورؤساء الجماعات الإسلامية يومئذ جر على الإسلام هزائم متلاحقة، وجعل بضاعته أمام الأبصار المتطلعة مزهودة كاسدة. ولم تقف الحياة حتى يستخلص الكسالى من تعاليم الإسلام تشريعا جنائيا، أو تجاريا، ونظاما اجتماعيا أوسياسيا، كلا. لقد تطلعت إلى المورد المتاح حين عز عليها المورد الأصيل، ومن ثم تأخر الإسلام وتقدمت قوانين وتقاليد وأنظمة أخرى. * * * ص _011

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت