وكراهة الشر وأحزابه، وهو هذه العاطفة الدافقة المنسابة كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها، لا يهمها أن تغمر سفحا أو تطوق قمة. إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة، اشمئزاز من مسالك الفسقة، يقبض يدك عن مصافحتهم، ويجعل جمرة الغضب، تصبغ وجهك لجرأتهم على ربهم، فإما استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم، أو تقيم الدنيا وتقعدها من حولهم .. وإلا فإن أقعدك العجز سكنت سكون المقهور على ما يلسعه من عار، لا سكون البليد على ما وصل إليه من قرار. أعرف قوما فقدوا هذه العواطف الملتهبة، أى فقدوا الخصائص الأولى لدينهم فهم أكوام من التراب البارد، أولئك قوم ليسوا من الله في شىء. وأعرف آخرين أرهبهم جبروت الفساق، وسلطان الظلمة، فلاذوا بأضعف الإيمان، ورأوا أن يغيروا المنكر بقلوبهم فحسب!! ونحن لا نخرج الجبناء من حظيرة المؤمنين، ولكننا نستغرب ثم نستغرب أن يكون عمل الكثير من المشتغلين بالدعوة إلى الله هو هذا الإنكار القلبى!! فما بقاؤهم في ميدان الدعوة؟ وما تقدمهم فيه؟ وبأى حق حمله هذا الوصف العالى وسموا أنفسهم دعاة؟ لقد علم الغبى والذكى، والقاصى والدانى، أن بلاد الإسلام سقطت فريسة وثنيات سياسية مدمرة، وأن الإسلام نفسه ضاع في حريق الشهوات التى تتطلبها هذه الوثنيات المجنونة، وأن مراكب الحضارة التى تتراكض وثبا إلى الأمام في سائر الدنيا تتراجع متقهقرة في بلادنا وحدها، وأن جماهير العمال تضرب في أمريكا، طالبة المزيد من فنون الراحة والدعة، على حين تكلف الجماهير الفقيرة عندنا بأن تجوع وتعرى لإبطار فرد سادر في غلوائه! فرد مستطار الشر خبيث الشره! إن هذه الوثنيات المسعورة لم يبق معها دين ولا سلمت دنيا. فماذا صنع المشتغلون في ميدان الدعوة إلى الله"كذا"لمكافحتها؟ وأعنى بالمشتغلين الهواة والمحترفين جميعا .. وأين جهودهم لإنقاذ البلاد والعباد من ويلاتها؟ ص _078