لكن هذا التهديد لما أوشك أن يتحول إلى لعنة ماحقة بعد ما آذى المشركون نبيهم، واستباحوا دمه، وقتلوا أصحابه في غزوة أحد، وعرض على النبى أن ينتقم منهم قال:"اللهم اهد قومى فإنهم لايعلمون"!. وقد أشاد القرآن بهذا الخلق العظيم في شمائل صاحب الرسالة، فأبان للناس كيف أن عنتهم يعز عليه، وكيف أنه متشبث بهم، حريص عليهم، بالمؤمنين رءوف رحيم. وهذا المعين الذى لا ينضب من الرحمة المطبوعة والبر العميق بالناس، هو الذى جعل الرسول موطأ الأكناف لصنوف من الأتباع تتباين أمزجتهم وخلائقهم، وتتفاوت طباعهم ومسالكهم، فهو يهش لحاضرهم، ويتفقد غائبهم، ويفرح لسرورهم، ويبكى لأحزانهم، ويعيش مع كل امرئ منهم، وكأنه له صديق العمر. وهذه الدعامة المكينة لا بد منها في بناء كل عظمة إنسانية صحيحة. ولذلك يقول الله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) . وعنصر الرحمة الغالبة لا يعني أن صاحب الرسالة لا يغضب ويقاتل. كلا ... فإن أحوال الدنيا وأغلاط الناس، توجب على الإنسان أن يقف أحيانا مواقف لا بد منها لحماية مثله وفضائله. ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا والرحيم حين يقسو كالمحب حين يغضب، فغيرته على عاطفته، وتوجسه ممن يريدون مصادرته ومصادرتها ذاك هو الذى يجعله يتوجس ويهتاج. وفارق كبير بين هذه النفوس الخيرة، وبين ذوى الطبائع الشرسة الحقودة التى تسعى وراء الشر، وتتوق إلى حوك المكايد، وتأجيج العداوات، وترى لذاذتها في الدم المسفوح، والعبرات المراقة، والوجوه الساهمة. ص _075