فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 251

يبتغى العلو ... وهما، نحن ندعو صانعي الأوهام لأنفسهم أن يرمقوا سيرة هذا الإنسان الجليل"محمد بن عبد الله"ليروا كيف تجمعت المثل العليا للشجاعة، والكرم، والبر، والإخلاص، والصبر، والكفاح ... كيف تجمعت هذه المثل في مثال واحد، نفخ الله فيه من روحه، فجعله بشرا سويا، ورسولا نبيا. ويوم تتعلق العيون بهذا المثل، وتحاول التأسى به، والنسج على منواله فإنا موقنون بأن العالم يكون قد اكتشف في عالم الأخلاق قوة أفعل وأزكى أثرا من قوة الكهرباء في عالم الطبيعة. وعندى أن العنصر الأصيل في عظمة"محمد"هو الرحمة، الرحمة التى تجعل الإنسان يرق للناس أجمعين، بل يرق لكل ذى كبد رطبة، والتى تجعله يتصل بالحياة وفى نفسه عواطف غامرة من الشوق والرغبة والسلام. فهو لين الجانب لمن حوله، سليم الصدر لمن خاصمه، يتمنى عودته وأوبته أكثر مما يرجو تأنيبه وعقوبته، وقد مضت سنة العظمة خلال الكرام على هذا النسق السمح وقديما قال عنترة: لا يحمل الحق من تعلو به الرتبُ ولا ينال العلا من طبعُه الغضبُ وقد كان محمد رسول الله جياش الفؤاد بهذه الرحمة السامية النبيلة، فكان إذا عرض الهداية على رجل فرفضها، ثم تجهم لصاحبها وأدبر معرضا عنها، كان النبى الكريم ينظر إلى هذا الشقى الفار عن الخير، نظرة الوالد الرقيق إلى ابنه العاق، الذى آثر العوج على الاستقامة، أى أن أساه لغباوة ابنه أكثر من غضبه لصدوده عن الحق. وقد طالت أحزان الرسول لجهالات الناس حتى خشى منها على نفسه وعلى رقة فؤاده، وإرهاف حسه فقال الله له: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) . ومع أن القرآن تهدد هؤلاء الأجلاف العاقين لأبر الناس بهم. (طسم * تلك آيات الكتاب المبين * لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) . ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت