الشرق الإسلامى إبانها يتدحرج هابطا من مكانة إلى أخرى دونها حتى كأنه ينزلق من درج سلم ... فلما كانت مطالع هذا القرن، بلغت حركات الصعود والنزول مداها، واستوى الغرب في القمة، واستقر الشرق في السفوح وأنشب الغالب أظافره في عنق المغلوب، يريد إما أن يفترسه، وإما أن يهبه حياة الرقيق الذليل ... إلا أن عناصر الشر في دم الغالب أخذت تنزل به عن القمة التى بلغها، وعناصر الخير في دم المغلوب أخذت ترفعه من وهدته قليلا قليلا. وليس بمستغرب أن يشرد قوم في أثناء محنتهم فيطلبوا النجاة من مواطن العطب. يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وذاك شأن نفر من القادة، هرعوا إلى الغرب يلتمسون من ربوعه الخير والبركة!! وليت الأيام صدقت ظنونهم! فنحن نحب النفع من أيسر سبله .. إن الغرب يأخذ كثيرا ويعطى قليلا، يأخذ راغبا ويعطى كارها، وعطاؤه الممنون ممزوج بالسم، قلما يفيد منه إلا رجل حاذق يمسك ما يجديه ويدع ما يضيره .. والحضارة التى تسود العالم اليوم اعتمدت في منطقها العلمى على الخلاصات الصحيحة من الفكر الإسلامي الناضج، وهو فكر انفرد بزمام العالم دهرا طويلا كما تنفرد حضارة أوروبا اليوم بتوجيه الناس. والعلم لا وطن له ولا جنس، وهو يتنقل بين الأوطان والأجناس تنقلا مطردا، وهيهات أن يخلد في بقعة من الأرض، أو يحتكره قبيل من الناس. وربما استغلت النصرانية غلب أوروبا، فاندفعت وراء جيوشها الغازية، وربما أوهمت أن هذا التفوق صنع يدها، وقطاف غرسها، غير أن شيئا من هذا لا ينطلى على أحد، فإن أقطار الغرب لم تحسن المسير في مضمار الحضارة حتى فصلت العلم والاقتصاد والحكم عن الكنيسة، ولو بقيت مرتبطة بها لظلت أوروبا على أحوالها القديمة التى لازمتها خمسة عشر قرنا، وهى أحوال لا يحمدها ذو حجا، ولا يطلب العودة إليها أحد. * * * ص _010