قد يقبل الشباب على المخاطرة وسبل البذل أمامه ميسرة، فهو إن سجن لم يجزع على أسرة يعولها، وإن قتل لم تبكه امرأة أيم؟ ولا ولد يتيم! وخفة حمله من هذه الناحية تجعله سريع الاستجابة لنداء الواجب، أو تزيح العوائق من أمامه إذا ثارت في دمه نوازع النجدة. أما البطولة الفارعة فهى أن يكون المرء رب أسرة كبيرة يضرب في مناكب الأرض لرعايتها، ويسير في الحياة وهو موقر بأثقالها، غير أنه- وهو الزوج المحب والأب الرحيم، والراعى المسئول- مؤمن قبل ذلك كله بالله ورسوله، مخلص للدين الذى اعتنقه، مقدر للحقوق التى ارتبطت به. فإذا أحس للإسلام طلبا سارع إليه ولباه بروحه وماله ولم تشغله أعباء الحياة التى يكدح فيها عن مطالب المثل العالية التى آمن بها. والإنسان عندما يقرأ استشهاد"عبد الله بن حرام"، يرى في قصته جلالا تنحنى له الحياة، إعزازا للأبوة الرقيقة التى جادت بنفسها، واستودعت الله أسرة من غلام واحد وست بنات! روى أبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى المشركين يقاتلهم، وقال لى أبى: يا جابر عليك أن تكون في نظارى أهل المدينة حتى تعلم إلام يصير أمرنا؟ فإنى والله لولا أنى أترك بنات لى بعدى، لأحببت أن تقتل بين يدى. قال: فبينا أنا في الناظرين! جاءت عمتى بأبي وخالى، عادلتهما على ناضح! فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادى: ألا إن النبى- صلى الله عليه وسلم- يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوهم في مصارعهم، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا. وروى البخارى عن جابر أيضا: لما حضر أحد- يعنى القتال عند الجبل وفوقه- دعانى أبي من الليل فقال لى: ما أرانى إلا مقتولا في أول من يفتل من أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم- وإنى لا أترك بعدى أعز على منك غير نفس رسول الله، و إن على دينا، فاقضه واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا .. وكان أول قتيل!. ص _039