فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 251

فترة الشباب في حياة الإنسان هى أحفل أطوار العمر بالمشاعر الحارة، والعواطف الفائرة، لكنها ليست عهد العافية المكتملة في البدن الناضج فقط، بل إنها- كذلك- عهد النزعات النفسية الجياشة، يمدها الخيال الخصب، والرجاء البعيد. والأمم تستغل في شبانها هذه القوى المذخورة، وتجندها في ميادين الحرب والسلم، لتذلل بها الصعب، وتقرب البعيد. ونجاح النهضات الكبيرة يرجع إلى مقدار ما بذل فيها من جهود الشباب وهممهم، وإلى مقدار ما ارتبط بها من آمالهم وأعمالهم. وقد راقبنا الثورات التى اشتعلت في أرجاء الشرق ضد الغزاة المغيرين على بلاد الإسلام، فوجدنا جماهير الشباب هم الذين صلوا حرها، وحملوا عبئها، واندفعوا بحماستهم الملتهبة وإقدامهم الرائع يخطون مصارع الأعداء، ويرسمون لأمتهم صور التضحية والفداء. ولا يزال الشباب من طلاب وعمال وقود الحركات الحرة، وطليعة الثائرين على الفساد والاستبداد وقبلة المربين والمرشدين، والزعماء الذين ينشدون مستقبلا أزكى لهذه الحياة. ونحن إذ نقرر هذه الحقائق ننوه بما تنطوى عليه من دلائل الإيثار والتفانى ونرجو أن يكون حظ أمتنا من هذه الثروة الحية كفاء ما رميت به من أحداث جسام، وما فقدت من أمجاد عظام. فلا ينتهى هذا العصر حتى نكون قد غسلنا بلادنا من أدران الاحتلال الأجنبي الذى أخزانا في ديننا ودنيانا. بيد أن هناك رجالا تأخرت بهم السن، وذهبت عنهم صورة الشباب، وتكاثرت الصلات التى تربطهم بالدنيا، ومع ذلك فإن جذوة اليقين المتقد في قلوبهم تمسك بالشباب عن جلودهم وعظامهم، وتبقيه، بل تضاعفه، في قلوب تنبض بالحق وتدفعه في العروق مع الدم، فإذا أنت ترى منها بأس الحديد وجرأة الأسود، وترى رجالا تستهويهم المغامرة، ويطيرون إلى التضحية في سبيل الله أخف من الشباب الغض .. ص _038

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت