فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 251

ذلك أن الباطل المستعلن بفجوره المستغرق في غروره، لا يتخلى عن ضلاله القديم بسهولة، وربما تفانى في التشبث بآثامه وأوزاره! ومن ثم فلن يستطيع تأديبه إلا رجال لهم جرأة في الحق، تربو على جرأة عدوهم في الباطل، ولديهم حرص التضحية في سبيل الله أشد من حرص أعدائهم على المغامرة والسطو، والاحتفاظ بالمكاسب الحرام. ونحن إذا راقبنا سير الطغاة في الأرض، وجدنا السيادة التى يظفرون بها أول أمرهم لا تعود إلى خصائص القوة في أنفسهم قدر ما تعود إلى آثار الوهن في صفوف غيرهم. حتى إذا رزقت المثل العليا بأتباع من أولى النجدة والفداء لم تلبث الحياة أن تعود إلى رشدها، ولم تلبث الأصنام المقدسة أن تستحيل إلى أنقاض مبعثرة في الرغام!! وكيف تتم هذه الآيات الباهرة؟ تتم بالقوة وحدها حين تنجد الحق المهزوم والخير المكلوم. فلا عجب إذا أقسم القرآن بأدوات هذه القوة، ومجد طريقة عملها: (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا) إنه أقسم بصرامة الدواء على شدة الداء .. أجل، فربما كان استخدام القوة عملا ينطوى في ظاهره على خشونة وقسوة، لكن هذه الخشونة وتلك القسوة تعتبران برا كريما وفضلا عظيما، وله تكونان علاجا للكنود والعدوان والتبجح. وكم ابتليت الحياة بمن ملأ فجاجها بهذه الخلال الخسيسة فحولها جحيما تشقى فيها الأفراد والجماعات. فكيف النجاة من هذه الكروب إلا بالقوة العادلة، القوة التى تجعل الشاعر يقول: إذا الملك الجبار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه! وعلاج الجبروت بالسيف عدالة تحمد لأصحابها في الأرض والسماء. ص _035

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت