فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 251

الملتهبة، لأنك تلمح في كلمها القوى صورة الصراع الدامى بين جند الرحمن، وجند الطغيان، وترى الفريقين قد ارتجت من تحتهما الأرض، وثار من فوقهما النقع، ثم انجلى القتال بعد ما كتب النصر لأهدى الفئتين وأرضاهما لله، فتذكر قول الشاعر: فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر وأمدكم فلق الصباح المسفرِ! وجنيتمُ ثمر الوقائع يانعا بالنصر من ورق الحديد الأخضرِ! أما هذه السورة فهى سورة"العاديات". بدأت بوصف رائق لخيل المجاهدين وهى تنطلق بأصحابها إلى الميدان، إنها تركض حثيثا إلى غايتها، تنهب البر وتخرق الريح، ولصدورها علو وهبوط من تتابع الأنفاس واطراد العدو، وفوقها فرسانها المغاوير يتسابقون إلى لقاء العدو .. كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا من شدة الحزم لا من شدة الحزم ذاك ما أخذت السورة تصفه، فجاءت آياتها على هذا النسق: (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا) فإذا أحسست ضبح الخيل من طول لهثها، أحسست كذلك انقداح الشرر تحت سنابكها، وهى تضرب الصخور في طريقها إلى ضرب المبطلين، وتورى النار التى سوف تحرق وتضىء، تحرق جلود الطغاة، وتضىء سبل المعذبين المقهورين. ثم تجىء بعد ذلك غارة الصباح، وما غارة الصباح؟ إنها الضربة المفاجئة تنزل بالغاوين على حين غرة، فيستيقظون من غفلتهم على مس العقاب، ولات حين مناص. إنهم ظنوا أن الدنيا دانت لهم، وأن الأوضاع استقرت تحت أقدامهم، وأن الفضائل التى طاردوها لن تجد من يحميها، وأن الرذائل التى ألفوها لن تجد من يدوسها فناموا، وهم آمنون! ص _033

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت