لكونهما قد خضعتا لظروف واحدة، ومرتا على أدوار متشابهة [1] .
أما الرواية الثانية وهي تتفق مع الأولى في أسماء الرجال الثلاثة فإنها تختلف عنها في عدم إشارتها إلى إفادتهم من هجاء السريانية، ثم هي تعطي تفصيلا لعملهم، ولعل أهم شيء تجدر ملاحظته هنا هو إشارتها إلى أن عامرا قد وضع الإعجام، وهي مسألة ليس من اليسير الإقرار بها، وسنتناولها في فصل تال.
وهنا يثار تساؤل عن الدور الذي قام به أولئك الثلاثة، وهل أنهم هم الذين وضعوا الكتابة العربية فعلا، أو أنهم ساهموا بطريقة ما في تطور تلك الكتابة؟ أما أنهم وضعوها فهذا أمر ينفيه ما تمّ كشفه من نقوش عربية تعود إلى وقت سابق على الوقت الذي يقدر أنهم عاشوا فيه وهو نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس الميلادي [2] في أماكن بعيدة عن الأنبار والعراق، كذلك فإن وضع الخطوط واختراعها عمل ليس من اليسير نسبته إلى أفراد بأعيانهم، والاحتمال الثاني يبدو أكثر انطباقا على الواقع، ولعل الدور الذي قاموا به هو أنهم عدلوا الحروف المتداولة آنذاك، ذات الأصل النبطي حتى تبدو في شكلها العام ربما أكثر تشابها مع السريانية، التي روى البلاذري أنهم قاسوا هجاء العربية على هجائها [3] . وربما نجد إشارة إلى طبيعة ذلك التعديل في الاسم (الجزم) الذي كانت تعرف به الكتابة العربية قبل الإسلام، والذي افترض بعض العلماء الأقدمين أنه سمي بذلك لأنه اقتطع وأخذ من المسند، وقد تبين لنا فيما مضى بطلان هذه الدعوى. و (الجزم) في بعض معانيه «ضرب من الكتابة، وهو تسوية الحرف، وقلم جزم: لا حرف له» [4] فكأن دور الرجال الثلاثة إذن كان تسوية الحروف وتنسيقها
(1) خليل يحيى نامي، ص 4. ولا شك أن تحديد مقدار التأثر والتأثير بين الخطوط يحتاج إلى توفر الوسائل المادية، ومع غيبة تلك الوسائل الآن فليس لأحد أن يتحدث عن ذلك التأثر أو أن يحدد مقداره إن وجد.
(3) انظر: المرجع السابق، ص 7.
(4) الأزهري (محمد بن أحمد) : تهذيب اللغة، القاهرة، ج 10، ص 627. وانظر: الجوهري: ج 5، ص 1887. والزمخشري (محمود بن عمر) : أساس البلاغة، القاهرة، دار الكتب العربية، 1922 مادة (جزم) ، ج 1، ص 123، حيث يقول: «قلم جزم: مستوى القلم لا حرف له» . والفيروزآبادي (محمد بن يعقوب) : القاموس المحيط، ط 2، القاهرة. مصطفى البابي الحلبي، 1952،