الصفحة 85 من 185

ولقد قلنا: إن العبودية لله تتمثل في"التصور الاعتقادي".. فيحسن أن نقول ما هو التصور الاعتقادي الإسلامي.. إنه التصور الذي ينشأ في الإدراك البشري من تلقيه لحقائق العقيدة من مصدرها الرباني، والذي يتكيف به الإنسان في إدراكه لحقيقة ربه، ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه - غيبه وشهوده - ولحقيقة الحياة التي ينتسب إليها - غيبها وشهودها - ولحقيقة نفسه.. أي لحقيقة الإنسان ذاته.. ثم يكيف على أساسه تعامله مع هذه الحقائق جميعًا، تعامله مع ربه تعاملًا تتمثل فيه عبوديته لله وحده، وتعامله مع الكون ونواميسه ومع الأحياء وعوالمها، ومع أفراد النوع البشري وتشكيلاته تعاملًا يستمد أصوله من دين الله - كما بَلَّغَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم - تحقيقًا لعبوديته لله وحده في هذا التعامل.. وهو بهذه الصورة يشمل نشاط الحياة كله.

فإذا تقرر أن هذا هو"المجتمع المسلم"، فكيف ينشأ هذا المجتمع؟ ما منهج هذه النشأة؟

إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين لغير الله في العبادات والشعائر.. ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع.. ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة.. تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله - معه أو من دونه - وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله - معه أو دونه - وتنقي شرائعها من التلقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت