97 [وقد ذكروا لفظ الرّسول فلم يزد ... ولو صحّ هذا النّقل لم يبق مجملا]
أى وقد ذكر جماعة من المصنفين في علم القراءات أخبارا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وغيره لم يزد لفظها على ما أتى في الفحل.
منها «أنّ ابن مسعود قرأ على النّبىّ صلّى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله السّميع العليم، فقال:
قل أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم».
وعن جبير بن مطعم قال:
«كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» .
وكلا الحديثين ضعيف، والأوّل لا أصل له في كتب أهل الحديث.
والثانى أخرجه أبو داود بغير هذه العبارة وهو:
«أعوذ بالله من الشّيطان، من نفخه ونفثه وهمزه» .
ثم يعارض كل واحد منهما بما هو أصح منهما، أخرجه أبو داود والترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى قال:
«كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام من اللّيل يقول: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم من همزه ونفخه ونفثه» .
قال الترمذى: هو أشهر حديث في هذا الباب. وفى صحيح أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة عن ابن مسعود عن النبى صلّى الله عليه وسلم:
«أنّه كان يقول: اللهمّ إنّى أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم ونفخه وهمزه ونفثه» .
وأشار بقوله: ولو صح هذا النقل إلى عدم صحته كما ذكرناه، وقوله لم يبق مجملا: أى إجمالا في الآية، وذلك أن آية النحل لا تقتضى إلا طلب أن يستعيذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم، فبأى لفظ فعل المخاطب فقد حصل المقصود كقوله تعالى:
{ (وَسْئَلُوا اللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [1] ) .
ولا يتعين للسؤال هذا اللفظ فبأى لفظ سأل كان ممتثلا. ففي الآية إطلاق عبر عنه بالإجمال، وكلاهما قريب وإن كان بينهما فرق في علم أصول الفقه.
وأما زوال إجمال الآية لصحة ما رواه من الحديث، فوجهه أنه كان يتعين حتما أو أولوية، وأيا مّا كان فهو معنى غير المفهوم من الإطلاق والإجمال، إذ الألفاظ كلها في الاستعاذة بالنسبة إلى الأمر المطلق سواء يتخير فيها المكلف، وإذا ثبتت الأولوية لأحدها أو تعين فقد زال التخيير، والله أعلم.
(1) سورة النساء، آية: 32.