ومعنى البيت: أن هذه الثلاثة وهى الرفع والتذكير والغيب يذكر الكلمات التى هى فيها مطلقة، فيعلم من إطلاقه أنها هى المرادة أضدادها، مثاله وأربع أو لاصحاب، ويجبى خليط، وبل يؤثرون حز.
فيعلم من هذا الإطلاق أن مقصوده الرفع في أربع والياء في يجبى وهى الدالة على التذكير والياء في يؤثرون وهى الدالة على الغيب. وكل قراءة دائرة بين الياء والتاء فهى إما تذكير أو تأنيث أو غيب أو خطاب، فلا يقيدها إذا أراد تقييدها إلا بهذه العبارة نحو: وذكر يكن شاف، ولا يعبدون الغيب، وأنث تكن عن دارم، وخاطب تروا شرعا، وإنما يقيد بالياء ما كان ضده النون كما سبق فقوله في سورة الأحزاب ويعمل يؤت بالياء، قوله بالياء تقييد ليؤت ليكون قراءة الباقين بالنون ولا يكون تقييدا ليعمل لأن القراءة الأخرى بالتاء للتأنيث، فقوله ويعمل لفظ مطلق تعلم من إطلاقه أنه أراد به التذكير، ثم هذا الإطلاق في هذه الثلاثة ليس بلازم، بل أخبر أنه وقع منها مواضع مطلقة ووقعت أيضا مواضع مقيدة كما سبق تمثيله في الغيب والخطاب والتذكير والتأنيث، ومثله في الرفع، وقل مثل ما بالرفع، وقد اجتمع إطلاق الثلاثة في بيت واحد في سورة الأعراف وخالصة أصل البيت. ويجوز أن يكون وخالصة مقيدا بما قبله من قوله: ولباس الرفع، كما استغنى بذكر الخفة في الأوّل عن الخفة في الثانى نحو: ورب خفيف إذ نما سكرت دنا، ما نزل الخفيف إذ عز والصادان والله أعلم.
64 [وقبل وبعد الحرف آتى بكلّ ما ... رمزت به في الجمع إذ ليس مشكلا]
أراد وقبل الحرف وبعده، والمراد بالحرف كلمة القراءة، والرمز في اللغة الإشارة والإيماء.
ولما كانت هذه الكلمات والحروف التى جعلها دلالة على القراء كالإشارة إليهم سماها رمزا، وأراد بما رمز به في الجمع الكلمات الثمانى، فإنها هى التى لا يشكل أمرها في أنها رمز، سواء تقدمت على الحرف أو تأخرت، أما الحروف الدالة على الجمع كالثاء والخاء وما بعدهما فلها حكم الحروف الدالة على القراء منفردين، وقد التزم ذكرها بعد الحرف بقوله: ومن بعد ذكرى الحرف أسمى رجاله لينحصر موضعها فلا يتعدد المحال على الناظر المفكر فيها نعم إذا اجتمعت الحروف المرموزة للإفراد وللاجتماع مع شيء من كلمات الرمز تبعت الحروف الكلمات تتقدم معها وتتأخر، إذ لفظ الكلمات دل على محل الرمز كقوله: وحق نصير كسر واو مسوّمين على حق السدين، ثقل نشرت شريعة حق ومنزلها التخفيف حق شفاؤه، وقد نبه على ذلك قوله: ومهما أتت من قبل أو بعد كلمة كما سبق.
ويحتمل أن يكون هذا المعنى مستفادا من هذا البيت وأراد بكل ما رمزت به الحروف كلها، وقوله في الجمع:
أى آتى بها مع كلمات رمز الجمع، فهو من باب قوله تعالى:
{ (فَادْخُلِي فِي عِبََادِي} [1] ) .
ويقوّى هذا المعنى أنه لو أراد المعنى الأوّل لقال للجمع باللام، فلما عدل إلى لفظ «فى» من غير ضرورة دلنا على أنه لمح هذا المعنى، فإذا ثبت جواز هذا قلنا يحتمل أيضا أن يكون معنى قوله: ومهما أتت
(1) سورة الفجر، آية: 29.