من الرواة كل واحد عن أبيه يبلغ به عبد الله التميمي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه، هتف العلم بالعمل .. فإن أجابه وإلا ارتحل. فالعلم إنما يزكو و ينمو بتدارسه و العمل به، و العمل بحد ذاته هو ترسيخ للعلم و تأكيد له، و لهذا في قوله عز وجل: ( ? ? ? ? ? ? ? ) قال العلماء: الربانيون هم الذين علموا و عملوا ثم دعوا إلى ما علموا و عملوا و ربوا عليه و تواصوا بذلك. هؤلاء هم الربانيون و ما أقبح ألا يعمل طالب العلم بعلمه فهذا كما ذكرت إنما يكون وبالًا عليه و حسرة و ندامة و زيادة في الأثقال و الآصار و حجة و نقصًا وندامة و العياذ بالله.
و لهذا صح عند مسلم و غيره أن أحد الثلاثة الذين أول ما تسعر بهم جنهم رجل تعلم العلم حتى إذا جيء به بين يدي الجبار عز و جل و عرفه نعمته فعرفها إلى قوله فيسأله الله عز وجل فيقول: قرأت كتابك وعملت به، فيقال: كذبت و لكن قرأت ليقال قارئ فيأمر به فيكب على وجهه في النار ـ و العياذ بالله ـ و هذا الحديث هو الذي خلع قلوب العارفين، و لذلك كما في مسلم كان أبا هريرة رضي الله عنه راوي الحديث إذا حدّث به نشغ نشغة أي شهق شهقة حتى يكاد يغمى عليه رضي الله عنه و أرضاه، و قد أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
و عالمًا بعلمه لا يعملن معذب من قبل عباد الوثن
المسألة الثالثة: الدعوة إليه:
فبعد العلم و العمل الدعوة و كما قلنا لا يصح العمل بلا علم فمن باب أولى الدعوة و العلم هو زاد الداعية إلى الله عز و جل ولذا قال الله تعالى لنبيه: (? ? ? ? ?) أي على علم و برهان لا على جهل ( ?•? ?) يعني من اتبعني ينبغي أن يكونوا كذلك من أهل البصير و العلم (? ? ?) و لهذا قبل أن يأمر الله عز وجل نبيه ? بالإنذار أمره بالعلم فقال: (اقرأ) و هو أول أمر نزل على النبي ? فلما قرأ جاءه الأمر الثاني لينذر بما قرأ: (? ? ? ?) فلابد من العلم، و لابد من العمل، و لابد من الدعوة، و الداعية بجهل لا يغني شيئًا لأن فاقد الشيء لا يعطيه، و من السؤالات التي تطرق كثيرًا:
س: هل أشتغل بالعلم أو أشتغل بالدعوة؟
و جوابه أن يقال اشتغل بهذا و بهذا كما فعل الرسول عليه الصلاة و السلام و لا تنتظر أن تحصل على العلم كله فالعلم بحر لا ساحل له و مهما أخذت منه فإنه كما يقال كلما اتسعت دائرة معلومك اتسعت دائرة مجهولك، و لا يستطيع الإنسان أن يأتي على العلم كله أو أكثره بل يتنور بقدر ما يهبه الله عز و جل من السعة و القدرة و المواهب و الطاقات و الحفظ و التدارس و يوفقه للعلماء و للطريق الصحيح، و بهذا يعلم أن العلم و الدعوة متلازمان اقرأ و أنذر متلازمان كلما قرأت فبلغ به (? ? ? ?) أنت لا تكلف أن تأمر و تدعو بما لم تعلم، و لكن إذا علمت فأنت مكلف أن تأمر وهذا مفهوم من قوله ?: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان) ، و قوله ?: (بلغوا عني ولو آية) فإذا علمت و استفدت شيئًا فأنذر به و بلغ به و ادع إليه، و ما جهلته فلا تكلف بالدعوة إلى ما تجهل و لهذا كلما اتسع حظك من اقرأ اتسع الواجب من أنذر، فالمسألة كما يقال قياس مطرد كلما تعلمت زادت المسؤولية و التبعة و لا تكلف أنت تناطح كبار المشككين و المفسدين والمشبهين بحصيلة قليلة لكن إذا تزودت و كنت من الراسخين في العلم فأنت مكلف بذلك فعلم أنه من علم المسألة حق العلم و فهمها حق الفهم لم يتطرق إليه هذا السؤال و معلوم أن الرسول ? أرسل رسله منهم مصعب بن عمير و غيره و لم يكونوا حفظوا العلم كله و لا القرآن كله ولكن كلفهم بما يعلمون.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)